ثم قال: بلغني أنه كان يصلي الصبح كل يوم بمكة، وأنه يحج كل عام. لأنه كان يغيب على الناس يومي عرفة والعيد، فلا يعرف أين ذهب. ولما وادعت الشيخ جلال الدين سافرت إلى مدينة حبنق " وضبط اسمها بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة. وسكون النون وقاف " ، وهي من أكبر المدن وأحسنها. يشقها النهر الذي ينزل من جبال كامرو، ويسمى النهر الأزرق، ويسافر فيه إلى بنجالة وبلاد اللكنوتي، وعليه النواعير والبساتين والقرى يمنة ويسرة، كما هي على نيل مصر. وأهلها كفار تحت الذمة، يؤخذ منهم نصف ما يزدرعون ووظائف سوى ذلك. وسافرنا في هذا النهر خمسة عشر يوماً بين القرى والبساتين فكأنما نمشي في سوق من الأسواق، وفيه من المراكب ما لا يحصى كثرة، وفي كل مركب منها طبل، فإذا التقى المركبان ضرب كل واحد طبله، وسلم بعضهم على بعض. وأمر السلطان فخر الدين المذكور أن لا يؤخذ بذلك النهر من الفقراء نول، وأن يعطى الزاد لمن لا زاد له منهم. وإذا وصل الفقير إلى مدينة أعطي نصف دينار. وبعد خمسة عشر يوماً من سفرنا في النهر، كما ذكرناه، وصلنا إلى مدينة سنرهكاوان وسنر " بضم السين المهمل والنون وسكون الراء " ، وهي المدينة التي قبض أهلها على الفقير شيدا عندما لجأ إليها. ولما وصلناها وجدنا بها جنكاً يريد السفر إلى بلاد الجاوة. وبينهما أربعون يوماً. فركبنا فيه وصلنا بعد خمسة عشر يوماً إلى بلاد البرهنكار الذين أفواههم كأفواه الكلاب " وضبطها بفتح الباء الموحدة والراء والنون والكاف وسكون الهاء " ، وهذه الطائفة من الهمج لا يرجعون إلى دين الهنود ولا إلى غيره، وسكناهم في بيوت قصب مسقفة بحشيش الأرض على شاطئ البحر. وعندهم من أشجار الموز والفوفل والتنبول كثير. ورجالهم على مثل صورنا إلا أن أفواهم كأفواه الكلاب. وأما نساؤهم فلسن كذلك، ولهن جمال بارع. ورجالهم عرايا لا يستترون. إلا أن الواحد يجعل ذكره وأنثييه في جعبة من القصب منقوشة معلقة في بطنه، وتستتر نساؤهم بأوراق الشجر. ومعهم جماعة من المسلمين من أهل بنجالة والجاوة ساكنون في حارة على حدة. أخبرونا أنهم يتناكحون كالبهائم، لا يستترون بذلك. ويكون للرجل منهم ثلاثون امرأة فما دون ذلك أو فوقه، وأنهم لا يزنون. وإذا زنا الرجل منهم فحد الرجل أن يصلب حتى يموت، أو يؤتى بصاحبه أو عبده فيصلب عوضاً منه، ويسرح هو. وحد المرأة أن يأمر السلطان جميع خدامه فينكحونها واحد بعد واحد بحضرته حتى تموت، ويرمون بها في البحر. ولأجل ذلك لا يتركون أحداً من أهل المراكب ينزل إليهم، إلا إن كان من المقيمين عندهم. وإنما يبايعون الناس ويشارونهم على الساحل، ويسوقون إليهم الماء على الفيلة، لأنه بعيد من الساحل. ولا يتركونهم لاستقائه خوفاً على نسائهم، لأنهن يطمحن إلى الرجال الحسان. والفيلة كثيرة عندهم، ولا يسعها أحد غير سلطانهم. ثم يشترى منهم بالأثواب. ولهم كلام غريب لايفقهه إلا من ساكنهم، وأكثر التردد إليهم. ولما وصلنا إلى ساحلهم أتوا إلينا في قوارب صغار، كل قارب من خشبة واحدة منحوتة، وجاءوا بالموز والأرز والتنبول والفوفل والسمك.
ذكر سلطانهم
وأتى إلينا سلطانهم رأكباً على فيل، عليه شبه بردعة من الجلود، ولباس السلطان ثوب من جلود المعزى، وقد جعل الوبر إلى خارج، وفوق رأسه ثلاث عصائب من الحرير ملونات، وفي يده حربة من القصب، ومعه نحو عشرين من أقاربه على الفيلة. فبعثنا إليه هدية من الفلفل والزنجبيل والقرفة والحوت الذي يكون بجزائر ذيبة المهل وأثواباً من بنجالية. وهم لا يلبسونها إنما يكسونها الفيلة في أيام عيدهم. ولهذا السلطان على كل مركب ينزل ببلاده جارية ومملوك وثياب لكسوة الفيل وحلي ذهب تجعله زوجته في محزمها وأصابع رجليها. ومن لم يعط هذه الوظيفة صنعوا له سحراً يهيج به البحر، فيهلك أو يقارب الهلاك.
حكاية