The Travels

حكاية
Read with the dictionary

والمعرة مدينة كبيرة حسنة، أكثر شجرها التين والفستق ومنها يحمل إلى مصر والشام. وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. ولا زاوية عليه ولا خديم له. وسبب ذلك أنه وقع في بلاد صنفٍ من الرافضة أرجاس، يبغضون العشرة من الصحابة رضي الله عنهم، ولعن مبغضهم، ويبغضون كل من اسمعه عمر وخصوصاً عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما كان من فعله في تعظيم علي رضي الله عنه - ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين. وهي حسنة كثيرة البساتين، وأكثر شجرها الزيتون. بها يصنعون الصابون الأجري، ويجلب إلى مصر والشام. ويصنع بها أيضاً الصابون المطيب لغسل الأيدي، ويصبغونه بالحمرة والصفرة. ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب إليها. وأهلها سبابون يبغضون العشرة. ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع، فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا تسعة وواحد. وحضر بها بعض الأتراك يوماً فسمع سمساراً ينادي تسعة وواحد فضربه بالدبوس على رأسه وقال: قل عشرة بالدبوس. وبها المسجد جامع فيه تسع قباب. ولم يجعلوها عشرة قياماً بمذهبهم القبيح - ثم سرنا إلى مدينة حلب، المدينة الكبرى والقاعدة العظمى. قال أبو الحسين بن جبير في وصفها: قدرها خطير وذكرها في كل زمان يطير خطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح وسل عليها من بيض الصفاح قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، تنزهت حصانة من أن ترم أو تستطاع منحوتة الأجزاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، ووسعت الخواص والعوام، أين أمراؤها الحمدانيون وشعراؤها ؟ فني جميعهم، ولم يبق إلا بناؤها. فيا عجباً لبلاد تبقى ويذهب ملاكها، ويهلكون ولا يقضي هلاكها. وتخطب بعدهم فلا يعتذر أملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها. هذه حلب كم أدخلت ملوكها في خبر كان، ونسخت صرف الزمان بالمكان. أنث اسمها، فتحلت بحلية الغوان، وأتت بالعذر فيمن دان وانجلت عروساً بعد سيف دولتها ابن حمدان. هيهات سيهرم شبابها، ويعدم خطابها، ويسرع فيها بعد حين خرابها. وقلعة حلب تسمى الشهباء. بداخلها جبلان ينبع منهما الماء، فلا تخاف الظمأ ويطيف بها سوران. وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء. وسورها متداني الأبراج وقد انتظمت بها العلالي العجيبة المفتحة الطيقان. وكل برج منها مسكون. والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد. وبها مشهد يقصده بعض الناس، يقال: إن الخليل عليه السلام كان يتعبد به. وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق. ولما قصد قازان طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياماً، ونكص عنها خائباً، قال ابن جزي: وفي هذه القلعة يقول الخالدي شاعر سيف الدولة:

وخرقاء قد قامت على من يرومها ... بمرقبها العالي وجانبها الصعب

يجر عليها الجو جيب غمامةً ... ويلبسها عقداً بأنجمه الشهب

إذا ما سرى برقٌ بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السحب

فكم من جنودٍ قد أماتت بغصةٍ ... وذي سطوات قد أبانت على عقب

وفيها يقول أيضاً وهو من بديع النظم:

وقلعة عانق العنقاء سافلها ... وجاز منطقة الجوزاء عاليها

لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها ... أرضاً توطأ قطريه مواشيها

إذا الغمامة راحت غاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عواليها

يعد من أنجم الأفلاك مرقبها ... لو أنه كان يجري في مجاريها

ردت مكايد أقوامٍ مكايدها ... ونصرت لدواهيهم دواهيها

وفيها يقول جمال الدين علي ابن أبي منصور:

كادت لبون سموها وعلوها ... تستوقف الفلك المحيط الدائرا

وردت قواطنها المجرة منهلاً ... ورعت سوابقها النجوم زواهرا

ويظل صرف الدهر منها خائفاً ... وجلاً فيما يمسي لديها حاضرا

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account