The Travels

ذكر الأمير الكبير قرطي
Read with the dictionary

وكانت إقامتنا عندهم خمسة عشر يوماً. فكنا كل يوم وليلة في دعوة جديدة. ولا يزالون يختلفون في أطعمتهم، ويركبون معنا كل يوم للنزهة في أقطار المدينة. وركبوا معي يوماً، فدخلنا إلى المدينة الرابعة، وهي دار الإمارة. وبها سكنى الأمير الكبير قرطي. ولما دخلنا من بابها، ذهب عني أصحابي، ولقيني الوزير وذهب بي إلى دار الأمير الكبير قرطي. فكان من أخذه الفرجية التي أعطانيها ولي الله جلال الدين الشيرازي ما قد ذكرته. وهذه المدينة منفردة لسكنى عبيد السلطان وخدامه، وهي من أحسن المدن الست. ويشقها أنهار ثلاثة: أحدها خليج يخرج من النهر الأعظم، وتأتي فيه القوارب الصغار إلى هذه المدينة بالمرافق من الطعام، وأحجار الوقد. وفيه السفن للنزهة. والمشور في وسط هذه المدينة، وهو كبير جداً. ودار الإمارة في وسطه، وهو يحف بها من جميع الجهات. وفيه سقائف، فيها الصناع يصنعون الثياب النفيسة وآلات الحرب. أخبرني الأمير قرطي أن عددهم ألف وستمائة معلم. كل واحد منهم يتبعه الثلاثة والأربعة من المتعلمين. وهم أجمعون عبيد القان. وفي أرجلهم القيود، ومساكنهم خارج القصر. ويباح لهم الخروج إلى أسواق المدينة، دون الخروج على بابها. ويعرضون كل يوم على الأمير مائة مائة. فإن نقص أحدهم، طلب به أميره. وعادتهم أنه إذا خدم أحدهم عشر سنين فك عنه قيده، وكان يخير في النظرين: إما أن يقيم في الخدمة غير مقيد، وإما أن يسير حيث شاء من بلاد القان، ولا يخرج عنها. وإذا بلغ سنه خمسين عاماً أعتق من الأشغال وأنفق عليه. كذلك ينفق على من بلغ هذه السن أو نحوها من سواهم. ومن بلغ ستين سنة عدوه كالصبي، فلم تجر عليه الأحكام. والشيوخ بالصين يعظمون تعظيماً كثيراً، ويسمى أحدهم آطا، ومعناه الوالد.

ذكر الأمير الكبير قرطي

وضبط اسمه " بضم القاف وسكون الراء وفتح الطاء المهمل وسكون الياء " ، وهو أمير أمراء الصين، أضافنا بداره، وصنع الدعوة، ويسمونها الطوى " بضم الطاء المهمل وفتح الواو " ، وحضرها كبار المدينة. وأتى بالطباخين المسلمين فذبحوا وطبخوا الطعام. وكان هذا الأمير على عظمته يناولنا الطعام بيده، ويقطع اللحم بيده. وأقمنا في ضيافته ثلاثة أيام، وبعث ولده معنا إلى الخليج. فركبنا في سفينة تشبه الحراقة، وركب ابن الأمير في أخرى، ومعه أهل الطرب وأهل الموسيقى، وكانوا يغنون بالصيني وبالعربي وبالفارسي، وكان ابن الأمير معجباً بالغناء الفارسي، فغنوا شعراً منه. وأمرهم بتكريره مراراً، حتى حفظته من أفواههم، وله تلحين عجيب وهو:

تا دل بمحنت داديم ... در بحر فكر افتاديم

جن " جون " در نماز استاديم ... قوي بمحراب اندرى " اندريم "

واجتمعت بذلك الخليج طائفة كبيرة لها القلاع الملونة ومظلات الحرير. وسفنهم منقوشة بأبدع نقش. وجعلوا يتحاملون ويترامون بالنارنج والليمون. وعدنا بالعشي إلى دار الأمير، فبتنا بها. وحضر أهل الطرب فغنوا بأنواع من الغناء العجيب.

حكاية المشعوذ

وفي تلك الليلة حضر أحد المشعوذة، وهي من عبيد القان، فقال له الأمير: أرنا من عجائبك. فأخذ كرة خشب لها ثقب فيها سيور طوال، فرمى بها إلى الهواء فارتفعت حتى غابت عن الأبصار، ونحن في وسط المشور أيام الحر الشديد. فلما لم يبق من السير في يده إلا يسير، أمر متعلماً له فتعلق به وصعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا. فدعاه فلم يجبه ثلاثاً. فأخذ سكيناً بيده كالمغتاظ وتعلق بالسير إلى أن غاب أيضاً، ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض، ثم رمى برجله، ثم بيده الأخرى، ثم برجله الأخرى، ثم بجسده، ثم برأسه، ثم هبط، وهو ينفخ، وثيابه ملطخة بالدم. فقبل الأرض بين يدي الأمير، وكلمه بالصيني وأمر له الأمير بشيء.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account