أخبرني بعض الصالحين الذين لقيتهم به قال: كنا بهذا الجبل مع جماعة من الفقراء أيام البرد الشديد، فأوقدنا ناراً عظيمة، وأحدقنا بها. فقال بعض الحاضرين: يصلح لهذه النار ما يشوى فيها. فقال أحد الفقراء ممن تزدريه الأعين ولا يعبأ به: إني كنت عند صلاة العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم، فرأيت بمقربة منه حمار وحش قد أحدق الثلج به من كل جانب، وأظنه لا يقدر على الحراك، فلو ذهبتم إليه لقدرتم عليه وشويتم لحمه في هذه النار. قال: فقمنا إليه في خمسة رجال، فلقيناه كما وصف إلينا، فقبضناه وأتينا به أصحابنا، وذبحناه وشوينا لحمه في تلك النار، وطلبنا الفقير الذي نبه عليه فلم نجده، ولا وقعنا له على أثر، فطال عجبنا منه. ثم وصلنا من جبل لبنان إلى مدينة بعلبك. وهي حسنة قديمة من أطيب مدن الشام، تحدق بها البساتين الشريفة والجنات المنيفة، وتخترق أرضها الأنهار الجارية، وتضاهي دمشق في خيراتها المتناهية. وبها من حب الملوك ما ليس في سواها. وبها يصنع الدبس المنسوب إليها وهو منوع من الرب يصنعونه من العنب ولهم تربة يضعونها فيه فيجمد وتكسر القلة التي يكون بها، فيبقى قطعة واحدة، وتصنع منه الحلواء، ويجعل فيها الفستق واللوز ويسمونها حلواء بالملبن، ويسمونها أيضاً بجلد الفرس. وهي كثيرة الألبان، وتجلب منها إلى دمشق، وبينهما مسيرة يوم للمجد وأما الرفاق فيخرجون من بعلبك فيبيتون ببلدة صغيرة تعرف بالزبداني، كثيرة الفواكه ويغدون منها إلى دمشق، ويصنع ببعلبك الثياب المنسوبة إليها من الأحرام وغيره، ويصنع بها أواني الخشب، وملاعقه التي لا نظير لها في البلاد، وهم يسمون الصحاف بالدسوت. وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صحفة أخرى تسع في جوفها، وأخرى في جوفها، إلى أن يبلغوا العشرة، يخيل لرائيها أنها صحفة واحدة، وكذلك الملاعق يصنعون منهات عشرة، واحدة في جوف واحدة، ويصنعون لها غشاء من جلد، ويمسكها الرجل في حزامه، وإذا حضر طعاماً مع أصحابه أخرج ذلك، فيظن رائيه أنها ملعقة واحدة، ثم يخرج من جوفها تسعة، وكان دخولي لبعلبك عشية النهار. وخرجت منها بالغد، ولفرط اشتياقي إلى دمشق وصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين إلى مدينة دمشق الشام، فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية، ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسناً وتتقدمها جمالاً، وكل وصف، وإن طال، فهو قاصر عن محاسنها. ولا أبدع مما قاله أبو الحسين ابن جبير رحمه الله تعالى في ذكرها قال: وأما دمشق فهي جنة المشرق، ومطلع نورها المشرق، وخاتمة بلاد الإسلام متى استقريناها ، وعروس المدن التي اجتلبناها. قد تحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين، وحلت موضع الحسن بالمكان المكين، وتزينت في منصتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن أوى المسيح عليه السلام وأمه منها إلى ربوة منها ذات قرار ومعين وظل ظليل، وماء سلسبيل: تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلى معرس للحسن ومقيل، وقد سئمت أرضها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظماء. فتكاد تناديك بها الصم والصلاب: اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. وقد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر والآكام بالثمر، وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، وكل موضع لحظت بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد البصر ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي تساميها وتحاذيها. قال ابن جزي: وقد نظم بعض شعرائها في هذا المعنى فقال:
إن تكن جنة الخلود بأرض ... فدمشق ولا تكون سواها
أو تكن في السماء فهي عليها ... قد أبدت هواءها وهواها
بلد طيب ورب غفور ... فاغتنمها عشية وضحاها