وفي آخر جبل قاسيون الربوة المباركة المذكورة في كتاب الله ذات القرار والمعين، ومأوى المسيح عيسى وأمه عليهما السلام. وهي من أجمل مناظر الدنيا ومنتزهاتها وبها القصور المشيدة والمباني الشريفة والبساتين البديعة والمأوى المبارك، مغارة صغيرة في وسطها كالبيت الصغير، وإزاءها بيت يقال: إنه مصلى الخضر عليه السلام يبادر الناس إلى الصلاة فيها. وللمأوى باب حديد صغير والمسجد يدور به وله شوارع دائرة وساقية حسنة، ينزل لها الماء من علو وينصب في شاذروان في الجدار يتصل بحوض من رخام، ويقع فيه الماء ولا نظير له في الحسن وغرابة الشكل وبقرب ذلك مطاهر للوضوء يجري فيها الماء وهذه الربوة المباركة هي رأس بساتين دمشق، وبها منابع مياهها، وينقسم الماء الخارج منها على سبعة أنهار، كل نهر آخذ في جهة، ويعرف ذلك الموضع بالمقاسم، وأكبر هذه الأنهار النهر المسمى بتورة وهو يشق تحت الربوة، وقد نحت له مجرى في الحجر الصلد، كالغار الكبير، وربما انغمس ذو الجسارة من العوامين في النهر من أعلى الربوة واندفع في الماء حتى يشق مجراه ويخرج من أسفل الربوة، وهي مخاطرة عظيمة وهذه الربوة تشرف على البساتين الدائرة بالبلد، ولها من الحسن واتساع مسرح الأبصار ما ليس لسواها. وتلك الأنهار السبعة تذهب في طرق شتى، فتحار الأعين في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاعها وانصبابها. وجمال الربوة وحسنها التام أعظم من أن يحيط به الوصف. ولها الأوقاف الكثيرة من المزارع والبساتين والرباع، تقام منها وظائفها للإمام والمؤذن والصادر والوارد وبأسفل الربوة قرية النيرب وقد تكاثرت بساتينها وتكاثفت ظلالها وتدانت أشجارها فلا يظهر من بنائها إلا ما سما ارتفاعه ولها حمام مليح ولها جامع بديع مفروش صحنه بفصوص الرخام، وفيه سقاية رائعة الحسن ومطهرة، فيها بيوت عدة يجري فيها الماء وفي القبلي من هذه القرية قرية المزة وتعرف بمزة كلب نسبة إلى قبيلة كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وكانت إقطاعاً لهم وإليها ينسب الإمام حافظ الدنيا جمال الدين يوسف بن الزكي الكلبي المزي وكثير سواه من العلماء وهي من أعظم قرى دمشق بها جامع كبير عجيب، وسقاية معينة وأكثر قرى دمشق فيها الحمامات والمساجد الجامعة والأسواق وسكانها كأهل الحاضرة في مناحيهم، وفي شرقي البلد قرية تعرف ببيت الأهبة وكانت فيها كنيسة يقال: إن آزر كان يجلب فيها الأصنام فيكسرها الخليل عليه السلام، وهي الآن مسجد جامع بديع مزين بفصوص الرخام الملونة المنظمة بأعجب نظام وأزين التئام.
ذكر الأوقاف بدمشق وبعض فضائل أهلها وعوائدهم
والأوقاف بدمشق لاتحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج، يعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أوزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل، يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون، ويمر الركبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير.
حكاية