وكان بها فاضل من كبرائها وهو الصاحب عز الدين القلانسي، له مآثر ومكارم وفضائل وإيثار، وهو ذو مال عريض وذكروا أن الملك الناصر لما قدم دمشق أضافة وجميع أهل دولته ومماليكه وخواصه ثلاثة أيام فسماه اذ ذاك بالصاحب. ومما يؤثر من فضائلهم أن أحد ملوكهم السالفين لما نزل به الموت أوصى أن يدفن بقبلة الجامع المكرم، ويخفى قبره. وعين أوقافاً عظيمة لقراء يقرأون سبعاً من القرآن الكريم في كل يوم إثر صلاة الصبح بالجهة االشرقية من مقصورة الصحابة رضي الله عنهم حيث قبره فصارت قراءة القرآن على قبره لا تنقطع أبداً، وبقي ذلك الرسم الجميل بعده مخلداً ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد أنهم يخرجون بعد صلاة العصر من يوم عرفة، فيقفون بصحون المساجد كبيت المقدس وجامع بني أمية وسواها، ويقف بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم داعين خاضعين خاشعين ملتمسين البركة، ويتوخون الساعة التي يقف فيها وفد الله تعالى وحجاج بيته بعرفات، ولا يزالون في خضوع ودعاء وابتهال وتوسل إلى الله تعالى بحجاج بيته إلى أن تغيب الشمس، فينفرون كما ينفر الحاج، باكين على ما حرموه من ذلك الموقف الشريف بعرفات، داعين إلى الله تعالى أن يوصلهم إليها ولا يخيبهم من بركة القبول فيما فعلوه، ولهم أيضاً في اتباع الجنائز رتبة عجيبة وذلك أنهم يمشون أمام الجنازة، والقراء يقرأون القرآن بالأصوات الحسنة والتلاحين المبكية التي تكاد النفوس تطير لها رقة، وهم يصلون على الجنائز بالمسجد الجامع قبالة المقصورة فإن كان الميت من أئمة الجامع أو مؤذنيه أو خدامه أدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه، وإن كان من سواهم قطعوا القراءة عند باب المسجد وأدخلوا الجنازة وبعضهم يجتمع له بالبلاط الغربي من الصحن بمقربة من باب البريد، فيجلسون وأمامهم ربعات القرآن يقرأون فيها ويرفعون أصواتهم بالنداء لكل من يصل للعزاء من كبار البلدة وأعيانها ويقولون بسم الله فلان الدين من كمال وجمال شمس وبدر وغير ذلك، فإذا أتموا القراءة قام المؤذنون فيقولون افتكروا واعتبروا صلاتكم على فلان الرجل الصالح العالم ويصفونه بصفات من الخير، ثم يصلون عليه ويذهبون به إلى مدفنة. ولأهل الهند رتبة عجيبة في الجنائز أيضاً زائدة على ذلك، وهي أنهم يجتمعون بروضة الميت صبيحة الثالث من دفنه وتفرش الروضة بالثياب الرفيعة، ويكسى القبر بالأكسية الفاخرة، وتوضع حوله الرياحين من الورد والنسرين والياسمين وذلك النوار لا ينقطع عندهم ويأتون بأشجار الليمون والأترج، ويجعلون فيها حبوبها إن لم تكن فيها، ويجعلون صيواناً يظلل الناس نحوه، ويأتي القضاة والأمراء ومن يماثلهم فيقعدون، ويقابلهم القراء ويؤتى بالربعات الكرام فيأخذ كل واحد منهم جزءاً، فإذا تمت القراءة من القراء بالأصوات الحسان يدعو القاضي ويقوم قائماً ويخطب خطبة معدة لذلك، ويذكر فيها الميت ويرثيه بأبيات شعر، ويذكر أقاربهم ويعزيهم عنه، ويذكر السلطان داعياً له، وعند ذكر السلطان يقوم الناس ويحطون رؤوسهم إلى سمت الجهة التي بها السلطان، ثم يقعد القاضي، ويأتون بماء الورد فيصب على الناس صباً يبدأ بالقاضي ثم من يليه كذلك إلى أن يعم الناس أجمعين، ثم يؤتى بأواني السكر وهو الجلاب محلولاً بالماء فيسقون الناس منه، ويبدأون بالقاضي ومن يليه، ثم يؤتى بالتنبول، وهم يعظمونه ويكرمون من يأتي لهم به، فإذا أعطى السلطان أحداً منه فهو أعظم من إعطاء الذهب والخلع. وإذا مات الميت لم يأكل أهله التنبول إلا في ذلك اليوم، فيأخذ القاضي، أو من يقوم مقامه، أوراقاً منه فيعطيها لولي الميت فيأكلها وينصرفون حينئذٍ وسيأتي ذكر التنبول إن شاء الله تعالى.
ذكر سماعي بدمشق ومن أجازني من أهلها