رأيت أيام مجاورتي بمكة شرفها الله، وأنا إذ ذاك ساكن منها بالمدرسة المظفرية، والنبي صلى الله عليه وسلم في النوم، وهو قاعد بمجلس التدريس في المدرسة المذكورة بجانب الشباك الذي تشاهد منه الكعبة الشريفة، والناس يبايعونه، فكنت أرى الشيخ أبا عبد الله المدعو بخليل قد دخل وقعد القرفصاء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أبايعك على كذا وكذا، وعدد أشياء منها، وأن لا أرد من بيتي مسكيناً خائباً، وكان ذلك آخر كلامه، فكنت أعجب من قوله، وأقول في نفسي كيف يقول هذا ويقدر عليه، مع كثرة فقراء مكة واليمن والزيالعة والعراق والعجم ومصر والشام. وكنت أراه حين ذلك لابساً جبة بيضاء قصيرة من ثياب القطن المدعوة بالقفطان. كان يلبسها في بعض الأوقات، فلما صليت الصبح غدوت عليه وأعلمته برؤياي فسر بها وبكى، وقال لي تلك الجبة أهداها بعض الصالحين لجدي، فأنا ألبسها تبركاً. وما رأيته بعد ذلك يرد سائلاً خائباً. وكان يأمر خدامه يخبزون الخبز ويطبخون الطعام ويأتون به إلي بعد صلاة العصر من كل يوم. وأهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرة واحدة بعد العصر، ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت. ومن أراد الأكل في سائر النهار أكل التمر. ولذلك صحت أبدانهم، وقلت فيهم الأمراض والعاهات. وكان الشيخ خليل متزوجاً بنت القاضي نجم الدين الطبري، فشك في طلاقها وفارقها. وتزوجها بعده الفقيه شهاب الدين النويري من كبار المجاورين، وهو من صعيد مصر. وأقامت عنده أعواماً وسافر بها إلى المدينة الشريفة ومعها أخوها شهاب الدين فحنث في يمين بالطلاق، ففارقها على ضنانته بها، وراجعها الفقيه خليل بعد سنين عدة. ومن أعلام مكة إمام الشافعية شهاب الدين بن البرهان، ومنهم إمام الحنفية شهاب الدين أحمد بن علي من كبار أئمة مكة وفضلائها، يطعم المجاورين وأبناء السبيل. وهو أكرم فقهاء مكة. ويدان في كل سنة أربعين ألف درهم وخمسين ألفاً، فيؤديها الله عنه. وأمراء الأتراك يعظمونه ويحسنون الظن به، لأنه إمامهم. ومنهم إمام الحنابلة المحدث الفاضل محمد بن عثمان البغدادي الأصل المكي المولد. وهو نائب القاضي نجم الدين، والمحتسب بعد قتل تقي الدين المصري، والناس يهابونه لسطوته.
حكاية كان تقي الدين المصري محتسباً بمكة، وكان له دخول فيما يعنيه وفيما لا يعنيه. فاتفق في بعض السنين أن أتى أمير الحاج بصبي من ذوي الدعارة بمكة قد سرق بعض الحجاج. فأمر بقطع يده فقال له تقي الدين: إن لم تقطعها بحضرتك، وإلا غلب أهل مكة خدامك عليه. فاستنقذوه منهم وخلصوه، فأمر بقطع يده في حضرته فقطعت. وحقدها لتقي الدين. ولم يزل يتربص به الدوائر، ولا قدرة له عليه لأن له حسباً من الأميرين رميثة وعطيفة والحسب عندهم أن يعطي أحدهم هدية من عمامة أو شاشية بمحضر الناس تكون جواراً لمن أعطيته، ولا تزول حرمتها، معه حتى يريد الرحلة والتحول عن مكة. فأقام تقي الدين بمكة أعواماً، ثم عزم على الرحلة، وودع الأميرين، وطاف طواف الوداع، وخرج من باب الصفا. فلقيه صاحبه الأقطع وتشكى له ضعف حاله، وطلب منه ما يستعين به على حاجته. فانتهره تقي الدين وزجره، فاستل خنجراً له يعرف عندهم بالجنبية، وضربه ضربة واحدة كان فيها حتفه. ومنهم الفقيه الصالح زين الدين الطبري، شقيق نجم الدين المذكور من أهل الفضل والإحسان للمجاورين ومنهم الفقيه المبارك محمد بن فهد القرشي، من فضلاء مكة. وكان ينوب عن القاضي نجم الدين بعد وفاة الفقيه محمد بن عثمان الحنبلي، ومنهم العدل الصالح محمد بن البرهان زاهد ورع مبتلى بالوسواس. رأيته يوماً يتوضأ من بركة المدرسة المظفرية، فيغسل ويكرر، ولما مسح رأسه أعاد مسحه مرات، ثم لم يقنعه ذلك فغطس رأسه في البركة. وكان إذا أراد الصلاة ربما صلى الإمام الشافعي، وهو يقول: نويت نويت، فيصلي من غيره وكان كثير الطواف والاعتمار والذكر.
ذكر المجاورين بمكة