The Travels

ذكر عادتهم في ليلة النصف من شعبان
Read with the dictionary

وأهل مكة يحتفلون لعمرة رجب الاحتفال الذي لا يعهد مثله، وهي متصلة ليلاً نهاراً. وأوقات الشهر كله معمورة بالعبادة، وخصوصاً أول يوم منه، ويوم خمسة عشر، والسابع والعشرين. فإنهم يستعدون لها قبل ذلك بأيام. شاهدتهم في ليلة السابع والعشرين منه، وشوارع مكة قد غصت بالهوادج عليها كساء الحرير والكتان الرفيع، كل واحد يفعل بقدر استطاعته، والجمال مزينة مقلدة بقلائد الحرير، وأستار الهوادج ضافية تكاد تمس الأرض فهي كالقباب المضروبة. ويخرجون إلى ميقات التنعيم فتسيل أباطح مكة بتلك الهوادج، والنيران مشعلة بجنبتي الطريق، والشمع والمشاعل أمام الهوادج، والجبال تجيب بصداها إهلال المهللين، فترق النفوس، وتنهمل الدموع، فإذا قضوا العمرة، وطافوا بالبيت، خرجوا إلى السعي بين الصفا والمروة بعد مضي شيء من الليل، والمسعى متقد السرج غاص بالناس، والساعيات على هوادجهن، والمسجد الحرام يتلألأ نوراً. وهم يسمون هذه العمرة بالعمرة الأكمية، لأنهم يحرمون بها من أكمة مسجد عائشة رضي الله عنها بمقدار غلوة، على مقربة من المسجد المنسوب إلى علي رضي الله عنه. والأصل في هذه العمرة أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لما فرغ من بناء الكعبة المقدسة خرج ماشياً حافياً معتمراً، ومعه أهل مكة وذلك في اليوم السابع والعشرين من رجب، وانتهى إلى الأكمة فأحرم منها، وجعل طريقه على ثنية الحجون إلى المعلى، من حيث دخل المسلمون يوم الفتح. فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة إلى هذا العهد، وكان عهد عبد الله مذكوراً أهدى فيه بدناً كبيرة، وأهدى أشراف مكة وأهل الاستطاعة منهم. وأقاموا أياماً يطعمون ويطعمون شكراً لله على ما وهبهم من التيسير والمعونة في بناء بيته الكريم، على الصفة التي كانت عليها في أيام الخليل صلوات الله عليه. ثم لما قتل ابن الزبير نقض الحجاج الكعبة، وردها إلى بنائها في عهد قريش وكانوا قد اقتصروا في بنائها، وأبقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، لحدثان عهدهم بالكفر. ثم أراد الخليفة أبو جعفر المنصور أن يعيدها إلى بناء ابن الزبير، فنهاه مالك رحمه الله عن ذلك، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تجعل البيت ملعبة للملوك، متى أراد أحدهم أن يغير فعل. فتركه على حاله سداً للذريعة وأهل البلاد الموالية لمكة، مثل بجيله وزهران وغامد، يبادرون لحضور عمرة رجب ويجلبون إلى مكة الحبوب والسمن والعسل والزبيب والزيت واللوز، فترخص الأسعار بمكة ويرغد عيش أهلها وتعمم المرافق، ولولا أهل هذه البلاد لكان أهل مكة في شظف من العيش. ويذكر أنهم متى أقاموا ببلادهم، ولم يأتوا بهذه الميرة أجدبت بلادهم ووقع الموت في مواشيهم. ومتى أوصلوا الميرة أخصبت بلادهم وظهرت فيها البركة ونمت أموالهم. فهم إذا حان وقت ميرتهم وأدركهم كسل عنها، اجتمعت نساؤهم فأخرجنهم. وهذا من لطائف صنع الله تعالى وعنايته ببلده الأمين وبلاد السرو التي يسكنها بجيله وزهران وغامد وسواهم من القبائل مخصبة كثيرة الأعناب وافرة الغلات، وأهلها فصحاء الألسن، لهم صدق نية وحسن اعتقاد. وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها، لائذين بجوارها، متعلقين بأستارها، داعين بأدعية يتصدع لرقتها القلوب: وتدمع العيون الجامدة، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم مؤمنين على أدعيتهم. ولا يتمكن لغيرهم الطواف معهم، ولا استلام الحجر، لتزاحمهم على ذلك. وهم شجعان أنجاد، ولباسهم الجلود. وإذا وردوا مكة هابت اعراب الطريق مقدمهم، وتجنبوا اعتراضهم، ومن صحبهم من الزوار حمد صحبتهم. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهم، وأثنى عليهم خيراً وقال: علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء. وكفاهم شرفاً دخولهم في عموم قوله صلى الله عليه وسلم " الإيمان يمان والحكمة يمانية " . وذكر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يتحرى وقت طوافهم ويدخل في جملتهم تبركاً بدعائهم. وشأنهم عجيب كله، وقد جاء في أثر: زاحموهم في الطواف، فإن الرحمة تنصبّ عليهم صبّاً.

ذكر عادتهم في ليلة النصف من شعبان

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account