The Travels

مدينة واسط
Read with the dictionary

فلما شرع الملك في السفر بعث إلى الشريف بخمسمائة دينار دراهم، وصرفها من ذهب المغرب مائة وخمسة وعشرون ديناراً، وقال لرسوله اليه: قل له إن أراد الرجوع إلى بلاده فهذا زاده، وإن أراد السفر معنا فهي نفقته في الطريق، وان أراد الإقامة بالحضرة فهي نفقته حتى نرجع، فاغتم الشريف لذلك، وكان قصده أن يجزل له العطاء، كما هي عادته مع أمثاله واختار السفر صحبة السلطان، وتعلق بالوزير أحمد بن أياس المدعو بخواجة جهان وبذلك سماه الملك، وبه يدعوه هو، وبه بدعوة سائر الناس، فإن من عادتهم أنه متى سمى الملك أحداً باسم مضاف إلى الملك من عماد أو ثقة أو قطب، أو باسم مضاف إلى الجهان من صدر وغيره، فبذلك يخاطبه الملك وجميع الناس، ومن خاطبه، بسوى ذلك لزمته العقوبة فتأكدت المودة بين الوزير والشريف، فأحسن إليه ورفع قدره ولاطف الملك حتى حسن فيه رأيه، وأمر له بقريتين من قرى دور أباد، وأمره أن تكون إقامته بها وكان هذا الوزير من أهل الفضل والمروءة ومكارم الأخلاق والمحبة في الغرباء، والإحسان إليهم وفعل الخير وإطعام الطعام وعمارة الزوايا فأقام الشريف يستغل القريتين ثمانية أعوام وحصل من ذلك مالا عظيماً، ثم أراد الخروج، فلم يمكنه، فإنه من خدم السلطان لا يمكنه الخروج إلا بإذنه وهو محب في الغرباء، فقليلاً ما يأذن لأحدهم في السراح، فأراد الفرار من طريق الساحل فرد منه، وقدم الحضرة، ورغب من الوزير أن يحاول قضية انصرافه، فتلطف الوزير في ذلك حتى أذن له السلطان في الخروج عن بلاد الهند، وأعطاه عشرة آلاف دينار من دراهمهم، وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار، فأتى بها في بدرة، فجعلها تحت فراشه ونام عليها، لمحبته في الدنانير وفرحه بها وخوفه أن يتصل لأحد من أصحابه شيء منها، فإنه كان بخيلاً، فأصابه وجع في جنبه بسبب رقاده عليها ولم يزل يتزايد به وهو آخذ في حركة سفره إلى ان توفي بعد عشرين يوماً من وصول البدرة إليه. أوصى بذلك المال للشريف حسن الجراني، فتصدق بجملته على جماعة من الشيعة المقيمين بدهلي من أهل الحجاز والعراق وأهل الهند، لا يورثون بيت المال ولا يتعرضون لمال الغرباء ولا يسألون عنه، ولو بلغ ما عسى أن يبلغ وكذلك السودان لا يتعرضون لمال الأبيض ولا يأخذونه، إنما يكون عند الكبار من أصحابه حتى يأتي مستحقه. وهذا الشريف أبو غرة له أخ اسمه قاسم، سكن غرناطة مدة، وبها تزوج بنت الشريف أبي عبد الله بن إبراهيم الشهير بالمكي، ثم انتقل إلى جبل طارق فسكنه إلى ان استشهد بوادي كرة من نظر الجزيرة الخضراء وكان بهمة من البهم لا يصطلي بناره، خرق المعتاد في الشجاعة وله فيها أخبار شهيرة عند الناس، وترك ولدين هما في كفالة ربيبهما الشريف الفاضل أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن نفيس الحسيني الكربلائي الشهير ببلاد المغرب وبالعراق، وكان تزوج أمهما بعد موت أبيهما، وهو محسن لها جزاه الله خيراً.

ولما تحصلت لنا زيارة أمير المؤمنين علي عليه السلام سافر الركب إلى بغداد، وسافرت إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة، وهم أهل تلك البلاد، ولهم شوكة عظيمة وبأس شديد، ولا سبيل للسفر في تلك الأقطار الا في صحبتهم فاكتريت جملاً على يد أمير تلك القافلة شامر بن دراج الخفاجي وخرجنا من مشهد علي عليه السلام، فنزلنا الخورنق، موضع سكنى النعمان بن المنذر وآبائه من ملوك بني ماء السماء، وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة في قضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات ثم رحلنا عنه فنزلنا موضعاً يعرف بقائم الواثق، وبه أثر قرية خربة ومسجد خرب لم يبق منه إلا صومعته، ثم رحلنا عنه آخذين مع جانب الفرات بالموضع المعروف بالعذار، وهو غابة قصب في وسط الماء يسكنها أعراب يعرفون بالمعادي، وهم قطاع الطريق رافضية المذهب، خرجوا على جماعة من الفقراء تأخروا عن رفقتنا، فسلبوهم حتى النعال والكشاكل. وهم يتحصنون بتلك الغابة ويمتنعون بها ممن يريدهم، والسباع بها كثيرة. ورحلنا مع هذا الغدار ثلاث مراحل، ثم وصلنا مدينة واسط.

مدينة واسط

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account