فنزلنا بها رباط مالك بن دينار، وكنت رأيت عند قدومي عليها على نحو ميلين منها بناء عالياً مثل الحصن، فسألت عنه، فقيل لي: هو مسجد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكانت البصرة من اتساع الخطة وانفساح الساحة بحيث كان هذا المسجد في وسطها. وبينه الآن وبينها ميلان ، وكذلك بينه وبين السور الأول المحيط بها نحو ذلك، فهو متوسط بينهما. ومدينة البصرة إحدى أمهات العراق الشهيرة الذكر في الآفاق الفسيحة الأرجاء المونقة الأفناء، ذات البساتين الكثيرة والفواكه الأثيرة، توفر قسمها من النضارة والخصب، لما كانت مجمع البحرين: الأجاج والعذب، وليس في الدنيا أكثر نخلاً منها، فيباع التمر في سوقها بحساب أربعة عشر رطلاً عراقية بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة. ولقد بعث إلى قاضيها حجة الدين بقوصرة تمر، يحملها الرجل على تكلف، فأردت بيعها، فبيعت بتسعة دراهم، أخذ الحمال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق. ويصنع بها من التمر عسل يسمى السيلان، وهو طيب كأنه الجلاب.
والبصرة ثلاثة محلات: احداها محلة هذيل، وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير، من الكرماء الفضلاء، أضافني وبعث إلي بثياب ودراهم، والمحلة الثانية محلة بني حرام، كبيرها السيد الشريف مجد الدين موسى الحسنى، ذو مكارم وفواضل، أضافني وبعث إلي التمر والسيلان والدراهم، والمحلة الثالثة محلة العجم، كبيرها جمال الدين ابن اللوكي. وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وإيناس للغريب وقيام بحقه، فلا يستوحش فيما بينهم غريب. وهم يصلون الجمعة في مسجد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الذي ذكرته، ثم يسد فلا يأتونه إلا في الجمعة. وهذا المسجد من أحسن المساجد، وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يؤتى بها من وادي السباع، وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لما قتل، وأثر تغييره الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " .
حكاية اعتبار
شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة، فلما قام الخطيب إلى الخطبة وسردها، لحن فيها لحناً كثيراً جلياً، فعجبت من أمره، وذكرت ذلك للقاضي حجة الدين. فقال لي: إن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئاً من علم النحو. وهذه عبرة لمن تفكر فيها. سبحان مغير الأشياء ومقلب الأمور. هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو، وفيها أصله وفرعه، ومن أهلها إمامه الذي لا ينكر سبقه، لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤوبه عليها. ولهذا الجامع سبع صوامع، إحداها الصومعة التي تتحرك بزعمهم، عند ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه. صعدت إليها من أعلى سطح الجامع، ومعي بعض أهل البصرة، فوجدت في ركن من أركانها مقبض خشب مسمراً فيها، كأنه مقبض مملسة البناء. فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض، وقال: بحق رأس أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، تحركي، وهز المقبض، فتحركت الصومعة، فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له، وانا أقول: بحق رأس أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحركي، وهززت المقبض فتحركت الصومعة فعجبوا من ذلك. وأهل البصرة على مذهب السنة والجماعة، ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم، ولو جرى مثل هذا بمشهد الحسين، أو بالحلة، أو بالبحرين، أو قم، أو قاشان، أو ساوة، أو آوة، أو طوس، لهلك فاعله، لأنهم رافضة غالية. قال ابن جزي: قد عاينت بمدينة برشانة من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله صومعة تهتز من غير أن يذكر لها أحد من الخلفاء أو سواهم، وفي صومعة الجامع الأعظم بها، وبناؤها ليس بالقديم. وهي كأحسن ما أنت راء من الصوامع، حسن منظر واعتدالاً وارتفاعاً، لا ميل فيها ولا زيغ. صعدت إليها مرة، ومعي جماعة من الناس، فأخذ بعض من كان معي بجوانب جامورها وهزوها فاهتزت، حتى أشرت إليهم أن يكفوا فكفوا عن هزها.
ذكر المشاهدة المباركة بالبصرة