ذكر لي الحاج قوام الدين الطمغجي، وهو والي المجبى بها، أنه ضمنها بعشرة آلاف دينار دراهم في كل يوم. وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار ذهباً. وأقام بها الأمير حسين مدة ثم أراد القدوم على ملك العراق، فقبض على أبي إسحاق بن محمد شاه ينجو، وعلى أخويه ركن الدين ومسعود بك وعلى والدته طاش خاتون، وأراد حملهم إلى العراق ليطالبوا بأموال أبيهم فلما توسطوا السوق بشيراز كشفت طاش خاتون وجهها وكانت متبرقعة حياء ان ترى في تلك الحال. فإن عادة نساء الأتراك أن لا يغطين وجوههن، واستغاثت بأهل شيراز، وقالت: أهكذا يا أهل شيراز أخرج من بينكم وأنا فلانة زوجة فلان ؟ فقام رجل من النجارين يسمى بهلوان محمود، قد رأيته بالسوق حين قدومي على شيراز فقال: لا نتركها تخرج من بلدنا، ولا نرضى بذلك. فتابعه الناس على قوله وثارت عامتهم ودخلوا في السلاح وقتلوا كثيراً من العسكر وأخذوا الأموال وخلصوا المرأة وأولادها. وفر الأمير حسين ومن معه وقدم على السلطان أبي سعيد مهزوماً، فأعطاه العساكر الكثيفة وأمره بالعودة إلى شيراز والتحكم في أهلها بما شاء. فلما بلغ أهلها ذلك، علموا أنهم لا طاقة لهم به فقصدوا القاضي مجد الدين، وطلبوا منه أن يحقن دماء الفريقين ويوقع الصلح، فخرج إلى الأمير حسين. فترجل له الأمير عن فرسه وسلم عليه ووقع الصلح. ونزل الأمير حسين ذلك اليوم خارج المدينة. فلما كان من الغد برز أهلها للقائه في أجمل ترتيب وزينوا البلد وأوقدوا الشمع الكثير، ودخل الامير حسين في أبهة وحفل عظيم وسار فيهم بأحسن سيرة. فلما مات السلطان أبو سعيد وانقرض عقبه، وتغلب كل أمير على ما بيده، خافهم الأمير حسين على نفسه وخرج عنهم، وتغلب السلطان أبو اسحاق عليها وعلى أصفهان وبلاد فارس، وذلك مسيرة شهر ونصف شهر. واشتدت شوكته وطمحت همته إلى تملك ما يليه من البلاد، فبدأ بالأقرب منها وهي مدينة بزد، مدينة حسنة نظيفة عجيبة الأسواق ذات أنهار مطردة وأشجار نضيرة وأهلها تجار شافعية المذهب؛ فحاصرها وتغلب عليها وتحصن الأمير مظفر شاه ابن الأمير محمد شاه بن مظفر بقلعة على ستة أميال منها منيعة، تحدق بها الرمال فحاصره بها. فظهر من الأمير مظفر من الشجاعة ما خرق المعتاد، ولم يسمع بمثله. فكان يضرب على عسكر السلطان أبي إسحاق ليلاً، ويقتل ما شاء، ويخرق المضارب والفساطيط، ويعود إلى قلعته فلا يقدر على النيل منه. وضرب ليلة على دوار السلطان وقتل هنالك جماعة وأخذ من عتاق خيله عشرة وعاد إلى قلعته. فأمر السلطان أن تركب في كل ليلة خمسة آلاف فارس ويصنعون له الكمائن. وتلاحقت العساكر فقاتلهم، وخلص إلى قلعته ولم يصب من أصحابه إلا واحداً أتى به إلى السلطان أبي إسحاق فخلع عليه وأطلقه وبعث معه أماناً لمظفر لينزل إليه فأبى ذلك. ثم وقعت بينهما المراسلة ووقعت له محبة في قلب السلطان أبي إسحاق لما رأى من شجاعته. فقال: أريد أن أراه، فإذا رأيته انصرفت عنه. فوقف السلطان في خارج القلعة ووقف هو ببابها، وسلم عليه فقال له السلطان: إنزل على الأمان. فقال له مظفر: إني عاهدت الله أن لا أنزل إليك حتى تدخل أنت قلعتي وحينئذ أنزل إليك، فقال له أفعل ذلك. فدخل إليه السلطان في عشرة من أصحاب الخواص.
فلما وصل باب القلعة ترجل مظفر وقبل ركابه ومشى بين يديه مترجلاً، فأدخله داره وأكل من طعامه ونزل معه إلى المحلة راكباً، فأجلسه السلطان إلى جانبه، وخلع عليه ثيابه وأعطاه مالاً عظيماً، ووقع الاتفاق بينهما ان تكون الخطبة باسم السلطان أبي إسحاق، وتكون البلاد لمظفر وأبيه. وعاد السلطان إلى بلاده.