"""""" صفحة رقم 183 """"""
لا اعلم عنده ، وكثر غمها به ( 1 ) وطال أسفها إلى أن ضنيت بحيه ، وهو بغرارة الصبا لا يشعر ؛ ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لأنها كانت بكراً بخاتمها ، مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه ، فلما تمادى الأمر - وكانا إلفين ( 2 ) في النشأة - شكت ذلك إلى امراة جزلة الرأي كانت تثق بها لتوليها تربيتها ، فقالت لها : عرضي له بالشعر ، ففعلت المرة بعد المرة وهو لا يأبه في كل هذا . ولقد كان لقناً ذكياً ولكنه لم يظن ذلك فيميل إلى تفتيش الكلام بوهمه ، إلى ان عيل صبرها وضاق صدرها ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين ، ولقد كان - يعلم الله - عفيفاً متصاوناً بعيداً عن المعاصي ، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ثم ولت في ذلك الحين ولم تكلمه بكلمة ، وهي تتهادى في مشيها ، كما أقول في أبيات لي : [ من البسيط ] . كأنها حين تخطو في تأودها . . . قضيب نرجسة في الروض مياس كأنما ( 3 ) خطوها في قلب عاشقها . . . ففيه من وقعها خطر ووسواس كأنما مشيها مشي الحمامة لا . . . كد يعاب ولا بطء به باس فبهت وسقط في يده وفت في عضده ووجد في كبده وعلته وجمة ، فما هو إلا أن غابت عن عينه ووقع في شرك الردى ، واشتعلت في قلبه النار ، وتصعدت أنفاسه ، وتردفت أوجاله ، وكثر قلقه ، وطال أرقه ، فما غمض تلك الليلة عيناً ، وكان هذا بدء الحب بينهما دهراً ، إلى أن جذت جملتها ( 4 ) يد النوى ؛ وإن هذا لمن مصايد إبليس ودواعي الهوى التي لا يقف لها أحد إلا من عصمه الله عز وجل .