"""""" صفحة رقم 228 """"""
حسن منظرها ، حين شملها الخراب ، وعمها الهدم ، كأفواه السباع فاغرة ، تؤذن بفناء الدنيا ، وتريك عواقب اهلها ، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائماً فيها ، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها ، وتذكرت أيامي بها ولذاتي ( 1 ) وشهور صباي لديها ، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم ، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى وفي الآفاق ( 2 ) النائية والنواحي البعيدة ، وقد فرقتهن يد الجلاء ، ومزقتهن أكف النوى ، وخيل إلى بصري فناء ( 3 ) تلك النصبة بعدما علمته من حسنها وغضارتها والمراتب المحكمة التي نشأت فيها ( 4 ) لديها ، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها باهلها ، وأوهمت ( 5 ) سمعي صوت الصدى والهام عليها ، بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها ، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار ساكنها والتقاء عمارها ، فعاد نهارها تبعاً لليلها في الهدوء والاستيحاش ، فأبكى عيني ( 6 ) وأوجع قلبي وقرع صفاة كبدي وزاد في بلاء لبي ، فقلت شعراً منه ( 7 ) : [ من الطويل ] . لئن كان أظمانا فقد طالما سقى . . . وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا والبين يولد الحنين والاهتياج والتذكر ، وفي ذلك أقول : [ من البسيط ] .