وربما طال أمدها بعد ذلك فتستغني عن العصبية بما حصل لها من الصبغة في نفوس أهل إيالتها، وهي صبغة الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوليتها، فلا يعقلون إلا التسليم لصاحب الدولة، فيستغني بذلك عن قوة العصائب، ويكفي صاحبها، بما حصل لها في تمهيد أمرها الأجراء على الحامية من جندي ومرتزق. ويعضد ذلك ما وقع في النفوس عامة من التسليم فلا يكاد أحد أن يتصور عصياناً أو خروجاً إلا والجمهور منكرون عليه مخالفون له، فلا يقدر على التصدي لذلك ولو جهد جهده. وربما كانت الدولة في هذا الحال أسلم من الخوارج والمنازعة لاستحكام صبغة التسليم والانقياد لهم. فلا تكاد النفوس تحدث سرها بمخالفة ولا يختلج في ضميرها انحراف عن الطاعة، فيكون أسلم من الهرج والانتقاض الذي يحدث من العصائب والعشائر. ثم لا يزال أمر الدولة كذلك وهي تتلاشى في ذاتها، شأن الحرارة الغريزية في البدن العادم للغذاء، إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور. ولكل أجل كتاب، ولكل دولة أمد. " والله يقدر الليل والنهار " ، وهو الواحد القهار.
وأما الخلل الذي يتطرق من جهة المال، فاعلم أن الدولة في أولها تكون بدوية كما مر، فيكون خلق الرفق بالرعايا والقصد في النفقات، والتعفف عن الأموال، فتتجافى عن الإمعان في الجباية، والتحذلق والكيس في جمع الأموال وحسبان العمال، ولا داعية حينئذ إلى الإسراف في النفقة، فلا تحتاج الدولة إلى كثرة المال. ثم يحصل الاستيلاء ويعظم، ويستفحل الملك، فيدعو إلى الترف، ويكثر الأنفاق بسببه، فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم، بل يتعدى ذلك إلى أهل المصر، ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدولة. ثم يعظم الترف فيكثر الإسراف في النفقات، وينتشر ذلك في الرعية، لأن الناس على دين ملوكها وعوائدها. ويحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الأسواق لإدرار الجباية لما يراه من ترف المدينة الشاهد عليهم بالرفه، ولما يحتاج هو إليه من نفقات سلطانه وأرزاق جنده. ثم تزيد عوائد الترف فلا تفي بها المكوس، وتكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من الرعايا، فتمتد أيديهم إلى جمع المال من أموال الرعايا، من مكس أو تجارة أو نقد في بعض الأحوال، بشبهة أو بغير شبهة. ويكون الجند في ذلك الطور قد تجاسرعلى الدولة بما لحقها من الفشل والهرم في العصبية فتتوقع ذلك منهم، وتداوى بسكينة العطايا وكثرة الإنفاق فيهم، ولا تجد عن ذلك وليجة. ويكون جباة الأموال في الدولة قد عظمت ثروتهم في هذا الطور بكثرة الجباية وكونها بأيديهم، وبما اتسع لذلك من جاههم، فيتوجه إليهم باحتجان الأموال من الجباية، وتفشو السعاية فيهم بعضهم عن بعض للمنافسة والحقد، فتعمهم النكبات والمصادرات واحداً واحداً إلى أن تذهب ثروتهم وتتلاشى أحوالهم، ويفقد ما كان للدولة من االأبهة والجمال بهم. فإذا اصطلمت نعمتهم تجاوزتهم الدولة إلى أهل الثروة من الرعايا سواهم. ويكون الوهن في هذا الطور قد لحق الشوكة، وضعفت عن الاستطالة والقهر، فتنصرف سياسة صاحب الدولة حينئذ إلى مداراة الأمور ببذل المال، ويراه أرفع من السيف لقلة غنائه. فتعظم حاجته إلى الأموال زيادة على النفقات وأرزاق الجند، ولا يغني فيما يريد. ويعظم الهرم بالدولة ويتجاسر عليها أهل النواحي، والدولة تنحل عراها في كل طور من هذه، إلى أن تفضي إلى الهلاك وتتعرض لاستيلاء الطلاب. فإن قصدها طالب انتزعها من أيدي القائمين بها، وإلا بقيت وهي تتلاشى إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا فني زيته وطفىء. والله مالك الأمور ومدبر الأكوان، لا إله إلا هو.
فصل في اتساع نطاق الدولة
أولاً إلى نهايته ثم تضايقه طوراً بعد طور إلى فناء الدولة واضمحلالها