The Muqaddimah

فصل في اتساع نطاق الدولة
Read with the dictionary

قد كان تقدم لنا في فصل الخلافة والملك، وهو الثالث من هذه المقدمة، أن كل دولة لها حصة من الممالك والعمالات لا تزيد عليها. واعتبر ذلك بتوزيع عصابة الدولة على حماية أقطارها وجهاتها. فحيث نفد عددهم فالطرف الذي انتهى عنده هو الثغر، ويحيط بالدولة من سائر جهاتها كالنطاق. وقد تكون النهاية هي نطاق الدولة الأولى. وقد يكون أوسع منه إذا كان عدد العصابة أوفر من الدولة قبلها. وهذا كله عندما تكون الدولة في شعار البداوة وخشونة الباس. فإذا استفحل العز والغلب وتوفرت النعم والأرزاق بدرور الجبايات، وزخر بحر الترف والحضارة ونشأت الأجيال على اعتبار ذلك لطفت أخلاق الحامية ورقت حواشيهم. وعاد من ذلك إلى نفوسهم هيئات الجبن والكسل، بما يعانونه من خنث الحضارة المؤدي إلى الانسلاخ من شعار البأس والرجولية، بمفارقة البداوة وخشونتها، وبأخذهم العز بالتطاول إلى الرياسة والتنازع عليها، فيفضي إلى قتل بعضهم بيعض، ويكبحهم السلطان عن ذلك بما يؤدي إلى قتل أكابرهم وإهلاك رؤسائهم، فتفقد الأمراء والكبراء، ويكثر التابع والمرؤوس، فيفل ذلك من حد الدولة، لكسر من شوكتها. ويقع الخلل الأول في الدولة، وهو الذي من جهة الجند والحامية كما تقدم. ويساوق ذلك السرف في النفقات بما يعتريهم من أبهة العز، وتجاوز الحدود بالبذخ، بالمناغاة في المطاعم والملابس وتشييد القصور واستجادة السلاح وارتباط خيول، فيقصر دخل الدولة حينئذ عن خرجها ويطرق الخلل الثاني في الدولة وهو الذي من جهة المال والجباية. ويحصل العجز والانتقاص بوجود الخللين. وربما تنافس رؤساؤهم فتنازعوا وعجزوا عن مغالبة المجاورين والمنازعين ومدافعتهم. وربما اعتز أهل الثغور والأطراف بما يحسون من ضعف الدولة وراءهم، فيصيرون إلى الاستقلال والاستبداد بما في أيديهم من العمالات، ويعجز صاحب الدولة عن حملهم على الجادة، فيضيق نطاق الدولة عما كانت انتهت إليه في أولها، وترجع العناية في تدبيرها بنطاق دونه، إلى أن يحدث في النطاق الثاني ما حدث في الأول بعينه من العجز والكسل في العصابة وقلة الأموال والجباية. فيذهب القائم بالدولة إلى تغيير القوانين التي كانت عليها سياسة الدولة من قبل الجند والمال والولايات، ليجري حالها على استقامة بتكافؤ الدخل والخرج والحامية والعمالات وتوزيع الجباية على الأرزاق، ومقايسة ذلك بأول الدولة في سائر الأحوال. والمفاسد مع ذلك متوقعة من كل جهة. فيحدث في هذا الطور من بعد ما حدث في الأول من قبل. ويعتبر صاحب الدولة ما اعتبره الأول، ويقايس بالوزان الأول أحوالها الثانية، يروم دفع مفاسد الخلل الذي يتجدد في كل طور ويأخذ من كل طرف حتى يضيق نطاقها الآخر إلى نطاق دونه كذلك، ويقع فيه ما وقع في الأول. فكل واحد من هؤلاء المغيرين للقوانين قبلهم كأنهم منشئون دولة أخرى، ومجددون ملكاً. حتى تنقرض الدولة، وتتطاول الأمم حولها إلى التغلب عليها وإنشاء دولة أخرى لهم، فيقع من ذلك ما قدر الله وقوعه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account