The Muqaddimah

الفصل الثاني والخمسون
Read with the dictionary

هي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه. وربما تمسك المنكرون لشأنه بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح بن أبي عياش، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا مهدي إلا عيسى ابن مريم " . وقال يحيى بن معين في محمد بن خالد الجندي: إنه ثقة. وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد. وقال الحاكم فيه: إنه رجل مجهول. واختلف عليه في إسناده: فمرة يروي كما تقدم وينسب ذلك لمحمد بن إدريس الشافعي، ومرة يروي عن محمد بن خالد عن أبان عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. قال البيهقي: فرجع إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول، عن أبان بن أبي عياش وهو متروك، عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقطع، وبالجملة فالحديث ضعيف مضطرب. وقد قيل في: " أن لا مهدي إلا عيسى " أي لا يتكلم في المهد إلا عيسى، يحاولون بهذا التأويل رد الاحتجاج به، أو الجمع بينه وبين الأحاديث، وهو مدفوع بحديث جريح. ومثله من الخوارق.

وأما المتصوفة فلم يكن المتقدمون منهم يخوضون في شيء من هذا، وإنما كان كلامهم في المجاهدة بالأعمال وما يحصل عنها من نتائج المواجد والأحوال، وكان كلام الإمامية والرافضة من الشيعة في تفضيل علي رضي الله تعالى عنه، والقول بإمامته وادعاء الوصية له بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، والتبري من الشيخين كما ذكرناه في مذاهبهم. ثم حدث فيهم بعد ذلك القول بالإمام المعصوم، وكثرت التآليف في مذاهبهم. وجاء الإسماعيلية منهم يدعون ألوهية الإمام بنوع من الحلول، وآخرون يدعون رجعة من مات من الأئمة بنوع التناسخ، وآخرون منتظرون مجيء من يقطع بموته منهم، وآخرون منتظرون عود الأمر في أهل البيت مستدلين على ذلك بما قدمناه من الأحاديث في المهدي وغيرها.

ثم حدث أيضاً عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف وفيما وراء الحس. وظهر من كثير منهم القول على الإطلاق بالحلول والوحدة، فشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة وحلول الإله فيهم. وظهر منهم أيضاً القول بالقطب والأبدال، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام والنقباء. وأشربوا أقوال الشيعة، وتوغلوا في الديانة بمذاهبهم، حتى لقد جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة، أن علياً رضي الله عنه ألبسها الحسن البصري وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة. واتصل ذلك عنهم بالجنيد من شيوخهم. ولايعلم هذا عن علي من وجه صحيح. ولم تكن هذه الطريقة خاصة بعلي كرم الله وجهه، بل الصحابة كلهم أسوة في طرق الهدى، وفي تخصيص هذا بعلي دونهم رائحة من التشيع قوية، يفهم منها ومن غيرها مما تقدم دخولهم في التشيع، وانخراطهم في سلكه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account