وظهر منهم أيضاً القول بالقطب وامتلأت كتب الإسماعيلية من الرافضة، وكتب المتأخرين من المتصوفة بمثل ذلك في الفاطمي المنتظر. وكان بعضهم يمليه على بعض ويلقنه بعضهم من بعض، وكأنه مبني على أصول واهية من الفريقين. وربما يستدل بعضهم بكلام المنجمين في القرانات، وهو من نوع الكلام في الملاحم، ويأتي الكلام عليها في الباب الذي يلي هذا. وأكثر من تكلم من هؤلاء المتصوفة المتأخرين في شأن الفاطمي، ابن العربي الحاتمي في كتاب عنقاء مغرب وابن قسي في كتاب خلع النعلين وعبد الحق بن سبعين، وابن أبي واطيل تلميذه في شرحه كتاب خلع النعلين. وأكثر كلماتهم في شأنه ألغاز وأمثال، وربما يصرحون في الأقل و يصرح مفسر وكلامهم. وحاصل مذهبهم فيه، على ما ذكر ابن أبي واطيل، أن النبوة بها ظهر الحق والهدى بعد الضلال والعمى، وأنها تعقبها الخلافة، ثم يعقب الخلافة الملك، ثم يعود تجبراً وتكبراً وباطلاً. قالوا: ولما كان في المعهود من سنة الله رجوع أمور إلى ما كانت وجب أن يحيا أمر النبوة والحق بالولاية، ثم بخلافتها، ثم يعقبها الدجل مكان الملك والتسلط، ثم يعود الكفر بحاله. يشيرون بهذا لما وقع من شأن نبوة، والخلافة بعدها، والملك بعد الخلافة: هذه ثلاث مراتب. وكذلك الولاية التي هي لهذا الفاطمي، والدجل بعدها كناية عن خروج الدجال على أثره، والكفر من بعد ذلك. فهي ثلاث مراتب على نسبة الثلاث مراتب الأولى. قالوا: ولما كان أمر الخلافة لقريش حكماً شرعياً بالإجماع الذي لا يوهنه إنكار من لم يزاول علمه وجب أن تكون الإمامة فيمن هو أخص من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم، إما ظاهراً كبني عبد المطلب، وأما باطناً ممن كان من حقيقة الآل، والآل من إذا حضر لم يغب من هو آله. وابن العربي الحاتمي سماه في كتابه " عنقاء مغرب " من تأليفه: خاتم الأولياء، وكنى عنه بلبنة الفضة إشارة إلى حديث البخاري في باب خاتم النبيين، قال صلى الله عليه وسلم: " مثلي فيمن قبلي من الأنبياء كمثل رجل ابتنى بيتاً وأكمله، حتى إذا لم يبق منه إلا موضع لبنة فأنا تلك اللبنة " . فيفسرون خاتم النبيين باللبنة التي أكملت البنيان، ومعناه النبي الذي حصلت له النبوة الكاملة. ويمثلون الولاية في تفاوت مراتبها بالنبوة، ويجعلون صاحب الكمال فيها خاتم الأولياء أي حائز الرتبة التي هي خاتمة الولاية، كما كان خاتم الأنبياء حائزاً للمرتبة التي هي خاتمة النبوة. فكنى الشارع عن تلك المرتبة الخاتمة بلبنة البيت في الحديث المذكور. وهما على نسبة واحدة فيها. فهي لبنة واحدة في التمثيل. ففي النبوة لبنة ذهب، وفي الولاية لبنة فضة للتفاوت بين الرتبتين، كما بين الذهب والفضة. فيجعلون لبنة الذهب كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولبنة الفضة كناية عن هذ الولي الفاطمي المنتظر، وذلك خاتم الأنبياء وهذا خاتم الأولياء.
وقال ابن العربي فيما نقل ابن أبي واطيل عنه: وهذا الإمام المنتظر وهو من أهل البيت من ولد فاطمة، وظهوره يكون من بعد مضي - خ ف ج - من الهجرة ورسم حروفاً ثلاثة يريد عددها بحساب الجمل، وهو الخاء المعجمة بواحدة من فوق ستمائة والفاء أخت القاف بثمانين، والجيم المعجمة بواحده من أسفل ثلاثة، وذلك ستمائة وثلاث وثمانون سنة، وهي في آخرالقرن السابع. ولما انصرم هذا العصر ولم يظهر حمل ذلك بعض المقلدين لهم على أن المراد بتلك المئة مولده، وعبر بظهوره عن مولده، وأن خروجه يكون بعد العشر والسبعمائة فإنه الإمام الناجم من ناحية المغرب " .