وقال في موضع آخر: " نزول عيسى يكون في وقت صلاة العصر من اليوم المحمدي حين تمضي ثلاثة أرباعه " . قال: " وذكر الكندي يعقوب بن إسحق في كتاب الجفر الذي ذكر فيه القرانات أنه إذا وصل القرآن إلى الثور على رأس ضح بحرفين الضاد المعجمة والحاء المهملة، يريد ثمانية وتسعين وستمائة من الهجرة، ينزل المسيح فيحكم في الأرض ما شاء الله تعالى " . قال: وقد ورد في الحديث أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ينزل بين مهرودتين، يعني حلتين مزعفرتين صفراوين ممصرتين واضعاً كفيه على أجنحة الملكين، له لمة، كأنما خرج من ديماس، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، كثير خيلان الوجه. وفي حديث آخر: مربوع الخلق وإلى البياض والحمرة. وفي آخر: إنه يتزوج في الغرب. والغرب دلو البادية، يريد أنه يتزوج منها وتلد زوجته. وذكر وفاته بعد أربعين عاماً. وجاء أن عيسى يموت بالمدينة ويدفن إلى جانب عمر بن الخطاب. وجاء أن أبا بكر وعمر يحشران بين نبيين " . قال ابن أبي واطيل: والشيعة تقول إنه هو المسيح، مسيح المسايح من آل محمد. قلت وعليه حمل بعض المتصوفة حديث لا مهدي إلا عيسى، أي لا يكون مهدي إلا المهدي الذي نسبته إلى الشريعة المحمدية نسبة عيسى إلى الشريعة الموسوية في الاتباع وعدم النسخ " . إلى كلام من أمثال هذا يعينون فيه الوقت والرجل والمكان بأدلة واهية وتحكمات مختلفة، فينقضي الزمان ولا أثر لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تجديد رأي آخر منتحل كما تراه من مفهومات لغوية وأشياء تخييلية وأحكام نجومية. في هذا انقضت أعمار الأول منهم والآخر.
وأما المتصوفة الذين عاصرناهم فأكثرهم يشيرون إلى ظهور رجل مجدد لأحكام الملة ومراسم الحق ويتحينون ظهوره لما قرب من عصرنا. فبعضهم يقول من ولد فاطمة، وبعضهم يطلق القول فيه. سمعناه من جماعة أكبرهم أبو يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب، كان في أول هذه المائة الثامنة، وأخبرني عنه حافده صاحبنا أبو يحيى زكريا عن أبيه أبي محمد عبد الله عن أبيه الولي أبي يعقوب المذكور.
هذا آخر ما اطلعنا عليه أو بلغنا من كلام هؤلاء المتصوفة، وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا. والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يتم أمر الله فيه.
وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك. وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الأفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبيين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر، منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها، وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإمارتهم وآرائهم يبلغون آلافاً من الكثرة. فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية بإظهار كلمته وحمل الناس عليها. وأما على غير هذا الوجه، مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أفق من الأفاق ثمن غير عصبية ولا شوكة إلا مجرد نسبة في أهل البيت، فلا يتم ذلك، ولا يمكن، لما أسلفناه من البراهين الصحيحة.