The Muqaddimah

الفصل الثالث والخمسون
Read with the dictionary

ويختلف حال صاحب الدعوة معهم في استحكام دينه، وولايته في نفسه دون تابعه. فإذا هلك انحل أمرهم وتلاشت عصبيتهم. وقد ولع ذلك بإفريقية، لرجل من كعب من سليم يسمى قاسم بن مرة بن أحمد في المائة السابعة، ثم من بعده لرجل آخر من بادية رياح من بطن منهم يعرفون بمسلم، وكان يسمى سعادة، وكان أشد ديناً من الأول وأقوم طريقة في نفسه، ومع ذلك فلم يستتب أمر تابعه كما ذكرناه، حسبما يأتي ذكر ذلك في موضعه عند ذكر قبائل سليم ورياح. وبعد ذلك ظهر ناس بهذه الدعوة يتشبهون بمثل ذلك، ويلبسون فيها وينتحلون اسم السنة وليسوا عليها إلا الأقل، فلا يتم لهم ولا لمن بعدهم شيء من أمرهم. انتهى.

الفصل الثالث والخمسون

في حدثان الدول والأمم

وفيه الكلام على الملاحم والكشف عن مسمى الجفر اعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر، سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا، ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها. والتطلع إلى هذا طبيعة للبشر مجبولون عليها. ولذلك نجد الكثير من الناس يتشوفون إلى الوقوف على ذلك في المنام. والأخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة. ولقد نجد في المدن صنفاً من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه، فينتصبون لهم في الطرقات والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه. فتغدو عليهم وتروح نسوان المدينة وصبيانها، وكثير من ضعفاء العقول كا يستكشفون عواقب أمرهم، في الكسب والجاه والمعاش والمعاشرة والعداوة وأمثال ذلك، ما بين خط في الرمل ويسمونه المنجم، وطرق بالحصى والحبوب ويسمونه الحاسب، ونظر في المرايا والمياه ويسمونه ضارب المندل وهو من المنكرات الفاشية في الأمصار، لما تقرر في الشريعة من ذم ذلك، وأن البشر محجوبون عن الغيب إلا من أطلعه الله عليه من عنده في نوم أو ولاية.

وأكثر ما يعتني بذلك ويتطلع إليه الأمراء والملوك في آماد دولتهم، ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه. وكل أمة من الأمم يوجد لهم كلام من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها، وما يحدث لهم من الحرب والملاحم، ومدة بقاء الدولة، وعدد الملوك فيها، والتعرض لأسمائهم، ويسمى مثل ذلك الحدثان.

وكان في العرب الكهان والعرافون يرجعون إليهم في ذلك، وقد أخبروا بما سيكون للعرب من الملك والدولة، كما وقع لشق وسطيح في تأويل رؤيا ربيعة بن نصر من ملوك اليمن، أخبرهم بملك الحبشة بلادهم، ثم رجوعها إليهم، ثم ظهور الملك والدولة للعرب من بعد ذلك. وكذا تأويل سطيح لرؤيا الموبذان حين بعث إليه كسرى بها مع عبد المسيح، وأخبرهم بظهور دولة العرب. وكذا كان في جيل البربر كهان من أشهرهم موسى بن صالح من بني يفرن، ويقال من غمرة، وله كلمات حدثانية على طريقة الشعر برطانتهم وفيها حدثان كثير، ومعظمه فيما يكون لزناتة من الملك والدولة بالمغرب وهي متداولة بين أهل الجيل. وهم يزعمون تارة أنه ولي، وتارة أنه كاهن، وقد يزعم بعض مزاعمهم أنه كان نبياً، لأن تاريخه عندهم قبل الهجرة بكثير. والله أعلم.

وقد يستند الجيل في ذلك إلى خبر الأنبياء إن كان لعهدهم، كما وقع لبني إسرائيل، فإن انبياءهم المتعاقبين فيهم كانوا يخبرونهم بمثله عندما يعنونهم في السؤال عنه.

وأما في الدولة الإسلامية فوقع منه كثير فيما يرجع إلى بقاء الدنيا ومدتها على العموم، وفيما يرجع إلى الدولة وأعمارها على الخصوص. وكان المعتمد في ذلك في صدر الإسلام آثار منقولة عن الصحابة، وخصوصاً مسلمة بني إسرائيل، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما. وربما اقتبسوا بعض ذلك من ظواهر مأثورة وتأويلات محتملة.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account