The Muqaddimah

الفصل الثالث والخمسون
Read with the dictionary

ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك، مستندهم فيه. والله أعلم، الكشف بما كانوا عليه من الولاية. وإذا كان مثله لا ينكر من غيرهم من الأولياء في ذويهم وأعقابهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أن فيكم محدثين، فهم أولى الناس بهذه الرتب الشريفة والكرامات الموهوبة. وأما بعد صدر الملة وحين علق الناس على العلوم والاصطلاحات، وترجمت كتب الحكماء إلى اللسان العربي، فأكثر معتمدهم في ذلك كلام المنجمين في الملك والدول وسائر الأمور العامة من القرانات، وفي المواليد والمسائل وسائر الأمور الخاصة من الطوالع لها، وهي شكل الفلك، عند حدوثها. فلنذكر الآن ما وقع لأهل الأثر في ذلك ثم نرجع لكلام المنجمين.

أما أهل الأثر فلهم في مدة الملل وبقاء الدنيا، على ما وقع في كتاب السهيلي، فإنه نقل عن الطبري ما يقتضي أن مدة بقاء الدنيا منذ الملة خمسمائة سنة، ونقض ذلك بظهور كذبه. ومستند الطبري في ذلك أنه نقل عن ابن عباس، أن الدنيا جمعة من جمع الأخرة، ولم يذكر لذلك دليلاً. وسره والله أعلم تقدير الدنيا بأيام خلق السماوات والأرض وهي سبعة، ثم اليوم بألف سنة لقوله: " وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون " . قال: وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أجلكم في أجل من كان قبلكم، من صلاة العصر إلى غروب الشمس " . وقال: " بعثت أنا والساعة كهاتين،، وأشار بالسبابة والوسطى، وقدر ما بين صلاة العصر وغروب الشمس حين صيرورة، ظل كل شيء مثليه، يكون على التقريب نصف سبع، وكذلك وصل الوسطى على السبابة، فتكون هذه المدة نصف سبع الجمعة كلها، هو خمسمائة سنة.

ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: " لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم " ، فدل ذلك على أن مدة الدنيا قبل الملة خمسة الأف وخمسمائة سنة.

وعن وهب بن منبه أنها خمسة الأف وستمائة سنة أعني الماضي. وعن كعب أن مدة الدنيا كلها ستة الأف سنة.

قال السهيلي: وليس في الحديثين ما يشهد لشيء مما ذكره، مع وقوع الوجود بخلافه.

فأما قوله: " لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم " ، فلا يقتضي نفي الزيادة على النصف. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " ، فإنما فيه الأشارة إلى القرب، وأنه ليس بينه وبين الساعة نبي غيره، ولا شرع غير شرعه.

ثم رجع السهيلي إلى تعيين أمد الملة من محرك آخر، لو ساعده التحقيق، وهو أنه جمع الحروف المقطعة في أوائل السور بعد حذف المكرر، قال: وهي أربعة عشر حرفاً يجمعها قولك " ألم، يسطع، نص، حق، كره " فأخذ عددها بحساب الجمل فكان سبعمائة وثلاثة، إضافة إلى المنقضي من الألف الآخر قبل بعثه، فهذه هي مدة الملة، قال: ولا يبعد ذلك أن يكون من مقتضيات هذه الحروف وفوائدها. قلت: وكونه لا يبعد لا يقتضي ظهوره ولا التعويل عليه.

والذي حمل السهيلي على ذلك إنما هو ما وقع فى كتاب السير لابن إسحاق في حديث ابني أخطب من أحبار اليهود، وهما أبو ياسر وأخوه حي، حين سمعا من الأحرف المقطعة " آلم " وتأولاها على بيان المدة بهذا الحساب، فبلغت إحدى وسبعين، فاستقلا المدة. وجاء حي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله: هل مع هذا غيره، قال: " آلمص " ، ثم استزاد " آلر " ، ثم استزاد " آلمر " ، فكانت إحدى وسبعين ومائتين فاستطال المدة. وقال: قد لبس علينا أمرك يا محمد، حتى لا ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً، ثم ذهبوا عنه. وقال لهم أبو ياسر: ما يدريكم لعله أعطى عددها كلها تسعمائة وأربع سنين، قال ابن إسحق: فنزل قوله تعالى: " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " .

ولا يقوم من القصة دليل على تقدير المدة بهذا العدد، لأن دلالة هذه الحروف على الأعداد ليست طبيعية ولا عقلية، وإنما هي بالتواضع والاصطلاح الذي يسمونه حساب الجمل. نعم إنه قديم مشهور، وقدم الأصطلاح لا يصير حجة. وليس أبو ياسر وأخوه حي ممن يؤخذ رأيه في ذلك دليلاً، ولا من علماء اليهود، لأنهم كانوا بادية بالحجاز، غفلاً من الصنائع والعلوم، حتى عن علم شريعتهم، وفقه كتابهم وملتهم، وإنما يتلقفون مثل هذا الحساب كما تتلقفه العوام في كل ملة. فلا ينهض للسهيلي دليل على ما ادعاه من ذلك.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account