مثال ذلك وقع القران أول دقيقة من الحمل، وبعد عشرين يكون في أول دقيقة من القوس، وبعد عشرين يكون في أول دقيقة من الأسد، وهذه كلها نارية، وهذا كله قران صغير. ثم يعود إلى أول الحمل بعد ستين سنة ويسمى دور القران وعود القران، وبعد مائتين و أربعين ينتقل من النارية إلى الترابية لأنها بعدها، وهذا قران وسط. ثم ينتقل إلى الهوائية ثم المائية، ثم يرجع إلى أول الحمل في تسعمائة وستين سنة وهو الكبير. والقران الكبير يدل على عظام الأمور مثل تغيير الملك والدولة، وانتقال الملك من قوم إلى قوم، والوسط على ظهور المتغلبين والطالبين للملك، والصغير على ظهور الخوارج والدعاة وخراب المدن أو عمرانها. ويقع أثناء هذه القرانات قران النحسين في برج السرطان في كل ثلاثين سنة مرة ويسمى الرابع. وبرج السرطان هو طالع العالم، وفيه وبال زحل وهبوط المريخ، فتعظم دلالة هذا القران في الفتن والحروب، وسفك الدماء، وظهور الخوارج، وحركة العساكر، وعصيان الجند، والوباء والقحط، ويدوم ذلك أو ينتهي على قدر السعادة والنحوسة في وقت قرانهما على قدر تيسير الدليل فيه.
قال جراس بن أحمد الحاسب في الكتاب الذي ألفه لنظام الملك: " ورجوع المريخ إلى العقرب له أثر عظيم في الملة الأسلامية لأنه كان دليلها، فالمولد النبوي كان عند قران العلويين ببرج العقرب، فلما رجع هنالك حدث التشويش على الخلفاء وكثر المرض في أهل العلم والدين ونقصت أحوالهم، وربما انهدم بعض بيوت العبادة. وقد يقال: إنه كان عند قتل علي رضي الله عنه، ومروان من بني أمية، والمتوكل من بني العباس. فإذا روعيت هذه الأحكام مع أحكام القرانات كانت في غاية الإحكام.
وذكر شاذان البلخي: " أن الملة تنتهي إلى ثلثمائة وعشرين. وقد ظهر كذب هذ القول. وقال أبو معشر: يظهر بعد المائة والخمسين منها اختلاف كثير، ولم يصح ذلك " . وقال جراس: " رأيت في كتب القدماء أن المنجمين أخبروا كسرى عن ملك العرب وظهور النبوة فيهم، وأن دليلهم الزهرة وكانت في شرفها، فيبقى الملك في أربعين سنة. وقال أبو معشر في كتاب القرانات: القسمة إذا انتهت إلى السابعة والعشرين من الحوت فيها شرف الزهرة. ووقع القران مع ذلك ببرج العقرب وهو دليل العرب ظهرت حينئذ دولة العرب وكان منهم نبي ويكون قوة ملكه ومدته على ما بقي من درجات شرف الزهرة، وهي إحدى عشرة درجة بتقريب من برج الحوت، ومدة ذلك ستمائة وعشر سنين. وكان ظهور أبي مسلم عند انتقال الزهرة، ووقوع القسمة أول الحمل، وصاحب الجد المشتري.
وقال يعقوب بن إسحق الكندي: أن مدة الملة تنتهي إلى ستمائة وثلاث وتسعين سنة، قال: لأن الزهرة كانت عند قران الملة في ثمان وعشرين درجة وثلاثين دقيقة الحوت. فالباقي إحدى عشرة درجة وثماني عشرة دقيقة، ودقائقها ستون، فيكون ستمائة وثلاثاً وتسعين سنة. قال: وهذه مدة الملة باتفاق الحكماء، ويعضده الحروف الواقعة في أول السور بحذف المكرر واعتباره بحساب الجمل. قلت: وهذا هو الذي ذكره السهيلي، والغالب أن الأول هو مستند السهيلي فيما نقلناه عنه.
قال جراس: " سأل هرمز إفريد الحكيم عن مدة أردشير وولده وملوك الساسانية فقال: دليل ملكه المشتري، وكان في شرفه فيعطى أطول السنين وأجودها، أربعمائة وسبعاً وعشرين سنة، ثم تزيد الزهرة، وتكون في شرفها وهي دليل العرب، فيملكون لأن طالع القران الميزان، وصاحبه الزهرة، وكانت عند القران في شرفها، فدل أنهم يملكون ألف سنة وستين سنة. وسأل كسرى أنو شروان وزيره بزرجمهر الحكيم عن خروج الملك من فارس إلى العرب، فأخبره أن القائم منهم يولد لخمس وأربعين من دولته، ويملك المشرق والمغرب، والمشتري يغوص إلى الزهرة، وينتقل القران من الهوائية إلى العقرب، وهو مائي وهو دليل العرب، فهذه الأدلة تفضي للملة بمدة دور الزهرة وهي ألف وستون سنة. وسأل كسرى أبرويز أليوس الحكيم عن ذلك، فقال مثل قول بزرجمهر. وقال توفيل الرومي المنجم في أيام بني أمية: " إن ملة الإسلام تبقى مدة القران الكبير تسعمائة وستين سنة، فإذا عاد القران إلى برج العقرب كما كان في ابتداء الملة، وتغير وضع الكواكب عن هيئتها في قران الملة، فحينئذ إما أن يفتر العمل به أو يتجدد من الأحكام ما يوجب خلاف الظن.