والسبب في ذلك. ما ذكرنا مثله في البربر بعينه، إذ العرب أيضاً أعرق في البدو وأبعد عن الصنائع. وأيضاً فكانوا أجانب من الممالك التي استولوا عليها قبل الإسلام. ولما تملكوها لم ينفسح الأمد حتى تستوفي رسوم الحضارة، مع أنهم استغنوا بما وجدوا من مباني غيرهم. وأيضاً فكان الدين أول الأمر مانعاً من المغالاة في البنيان والإسراف فيه في غير القصد، كما عهد لهم عمر حين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة، وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل، فقال: افعلوا، ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات. ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة. وعهد إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لا يرفعوا بنياناً فوق القدر. قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد. فلما بعد العهد بالدين والتحرج في أمثال هذه المقاصد، وغلبت طبيعة الملك والترف، واستخدم العرب أمة الفرس وأخذوا عنهم الصنائع والمباني، ودعتهم إليها أحوال الدعة والترف، فحينئذ شيدوا المباني والمصانع، وكان عهد ذلك قريباً بانقراض الدولة، ولم ينفسح الأمد لكثرة البناء واختطاط المدن والأمصار إلا قليلاً، وليس كذلك غيرهم من الأمم. فالفرس طالت مدتهم آلافاً من السنين وكذلك القبط والنبط والروم، وكذلك العرب الأولى من عاد وثمود والعمالقة والتبابعة، طالت آمادهم ورسخت الصنائع فيهم، فكانت مبانيهم وهياكلهم أكثر عدداً وأبقى على الأيام أثراً. واستبصر في هذا تجده كما قلت لك. والله، وارث الأرض ومن عليها.
الفصل التاسع
في أن المباني التي كانت تختطها العرب
يسرع إليها الخراب إلا في الأقل والسبب في ذلك شأن البداوة والبعد عن الصنائع كما قدمناه، فلا تكون المباني وثيقة في تشييدها. وله، والله أعلم، وجه آخر وهو أمس به، وذلك قلة مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاط المدن كما قلناه: من المكان وطيب الهواء والمياه والمزارع والمراعي فإنه بالتفاوت في هذه تتفاوت جودة المصر ورداءته من حيث العمران الطبيعي. والعرب بمعزل عن هذا، وإنما يراعون مراعي إبلهم خاصة، لا يبالون با لماء طاب أو خبث، ولا قل أو كثر، ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابت والأهوية لانتقالهم في الأرض، ونقلهم الحبوب من البلد البعيد.
وأما الرياح فالقفر مختلف للمهاب كلها. والظعن كفيل لهم بطيبها لأن الرياح إنما تخبث مع القرار والسكنى وكثرة الفضلات. وانظر لما اختطوا الكوفة والبصرة والقيروان، كيف لم يراعوا في اختطاطها إلى مراعي إبلهم. وما يقرب من القفر ومسالك الظعن، فكانت بعيدة عن الوضع الطبيعي للمدن، ولم تكن لها مادة تمد عمرانها من بعدهم، كما قدمنا بأنه يحتاج إليه في حفظ العمران. فقد كانت مواطنها غير طبيعية للقرار، ولم تكن في وسط الأمم فيعمرها الناس. فلأول وهلة من انحلال أمرهم وذهاب عصبيتهم التي كانت سياجاً لها، أتى عليها الخراب والانحلال كأن لم تكن. " والله يحكم لا معقب لحكمه " .
الفصل العاشر
في مبادىء الخراب في الأمصار
اعلم أن الأمصار إذا اختطت أولاً تكون قليلة المساكن، وقليلة آلات البناء، من الحجر والجير وغيرهما مما يعالى على الحيطان عند التأنق: كالزلج والرخام والربج والزجاج والفسيفساء والصدف، فيكون بناؤها يومئذ بدوياً وآلاتها فاسدة. فإذا عظم عمران المدينة وكثر ساكنها كثر الآلات بكثرة الأعمال حينئذ، وكثر الصناع إلى أن تبلغ غايتها من ذلك كما سبق بشأنها. فإذا تراجع عمرانها وخف ساكنها قلت الصنائع لأجل ذلك ففقدت الأجادة في البناء والإحكام والمعالاة عليه بالتنميق. ثم تقل الأعمال لعدم الساكن فيقل جلب الآلات من الحجر والرخام وغيرهما، فتفقد ويصير بناؤهم وتشييدهم من الآلات التي في مبانيهم، فينقلونها من مصنع إلى مصنع، لأجل خلاء أكثر المصانع والقصور والمنازل لقلة العمران، وقصوره عما كان أولاً. ثم لا تزال تنقل من قصر إلى قصر ومن دار إلى دار إلى أن يفقد الكثير منها جملة، فيعودون إلى البداوة فى البناء واتخاذ الطوب عوضاً عن الحجارة، والقصور عن التنميق بالكلية. فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدر،. ويظهر عليها سيما البداوة. ثم تمر في التناقص إلى غايتها من الخراب إن قدر لها به. سنه الله في خلقه.
الفصل الحادي عشر