وأما المدينة المنورة - وهي المسماة بيثرب - فهي من بناء يثرب بن مهلائل من االعمالقة وبه سميت. وملكها بنو إسرائيل من أيديهم فيما ملكوه من أرض الحجاز. ثم جاورهم بنو قيلة من غسان وغلبوهم عليها وعلى حصونها. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها، لما سبق من عناية الله بها، فهاجر إليها ومعه أبو بكر وتبعه أصحابه ونزل بها وبنى مسجده وبيوته في الموضع الذي كان الله قد أعده لذلك وشرفه في سابق أزله. وأواه أبناء قيلة ونصروه، فلذلك سموا الأنصار. وتمت كلمة الإسلام من المدينة حتى علت على الكلمات وغلب على قومه وفتح مكة وملكها. وظن الأنصار أنه يتحول عنهم إلى بلده! فأهمهم ذلك، فخطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنه غير متحول. حتى إذا قبض صلى الله عليه وسلم كان ملحده الشريف بها. وجاء في فضلها من الأحاديث الصحيحه ما لا خفاء به. ووقع الخلاف بين العلماء في تفضيلها على مكة، وبه قال مالك رحمه الله، لما ثبت عنده في ذلك من النص الصريح عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المدينة خير من مكة " . نقل ذلك عبد الوهاب في المعونة، إلى أحاديث أخرى تدل بظاهرها على ذلك. وخالف أبو حنيفة والشافعي.
وأصبحت على كل حال ثانية المسجد الحرام. وجنح إليها الأمم بأفئدتهم من كل أوب. فانظر كيف تدرجت الفضيلة في هذه المساجد المعظمة، لما سبق من عناية الله. لها، وتفهم سر الله في الكون وتدريجه على ترتيب محكم في أمور الدين والدنيا.
وأما غير هذه المساجد الثلاثة فلا نعلمه في الأرض، إلا ما يقال من شأن مسجد آدم عليه السلام بسرنديب من جزائر الهند. لكنه لم يثبت فيه شيء يعول عليه.
وقد كانت للأمم في القديم مساجد يعظمونها على جهة الديانة بزعمهم. منها بيوت النار للفرس وهياكل يونان وبيوت العرب بالحجاز، التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمها في غزواته. وقد ذكر المسعودي منها بيوتاً لسنا من ذكرها في شيء، إذ هي غير مشروعة ولا هي على طريق ديني، ولا يلتفت إليها ولا إلى الخبر عنها. ويكفي في ذلك ما وقع في التواريخ. فمن أراد معرفة الأخبار. فعليه بها. والله يهدي من يشاء سبحانه.
الفصل السابع
في أن المدن والأمصار بإفريقية والمغرب قليلة
والسبب في ذلك أن هذه الأقطار كانت للبربر، منذ آلاف من السنين قبل الإسلام، وكان عمرانها كله بدوياً، ولم تستمر فيهم الحضارة حتى تستكمل أحولها. والدول التي ملكتهم من الإفرنجة والعرب لم يطل أمد ملكهم فيهم، حتى ترسخ الحضارة منها، فلب تزل عوائد البداوة وشؤونها، فكانوا إليها أقرب، فلم تكثر مبانيهم. وأيضاً فالصنائع بعيدة عن البربر لأنهم أعرق في البدو. والصنائع من توابع الحضارة، وإنما تتم المباني بها، فلا بد من الحذق في تعلمها. فلما لم يكن للبربرانتحال لها لم يكن لهم تشوف إلى المباني فضلاً عن المدن. وأيضاً فهم أهل عصبيات وأنساب لا يخلو عن ذلك جمع منهم. والأنساب والعصبية أجنح إلى البدو.
وإنما يدعو إلى المدن الدعة والسكون، ويصير ساكنها عيالاً على حاميتها، فتجد أهل البدو لذلك يستنكفون عن سكنى المدينة أو الإقامة بها. ولا يدعوهم، إلي ذلك إلا الترف والغنى، وقليل ما هو في الناس. فلذلك كان عمران إفريقية والمغرب كله اوأكثره بدوياً، أهل خيام وظواعن وقياطن وكنن في الجبال. وكان عمران بلاد العجم كله أو أكثره قرى وأمصاراً ورساتيق، من بلاد الأندلس والشام ومصر وعراق العجم وأمثالها، لأن العجم في الغالب ليسوا بأهل أنساب يحافظون عليها ويتناغون في صراحتها والتحامها إلا في الأقل. وأكثر ما يكون سكنى البدو لأهل الأنساب، لأن لحمة النسب أقرب وأشد. فتكون عصبيته كذلك، وتنزع بصاحبها إلى سكنى البدو والتجافي عن المصر الذي يذهب بالبسالة ويصيره عيالاً على غيره، فافهمه وقس عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
الفصل الثامن
في أن المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة
بالنسبة إلى قدرتها وإلى من كان قبلها من الدول: