The Muqaddimah

الفصل السادس
Read with the dictionary

وأما الأواوين التي تحت المسجد، يركب بعضها بعضاً، عمود الأعلى منها على قوس الأسفل في طبقتين. ويتوهم كثير من الناس أنها إصطبلات سليمان عليه السلام، وليس كذلك. وإنما بناها تنزيهاً للبيت المقدس عما يتوهم من النجاسة، لأن النجاسات في شريعتهم، وإن كانت في باطن الأرض، وكان ما بينها وبين ظاهر الأرض محشواً بالتراب، بحيث يصل ما بينها وبين الظاهر خط مستقيم ينجس ذلك الظاهر بالتوهم، والمتوهم عندهم كالمحقق، فبنوا هذه الأواوين على هذه الصورة بعمود الأواوين السفلية تنتهي إلى أقواسها وينقطع خطه، فلا تتصل النجاسة بالأعلى على خط مستقيم. وتنزه البيت عن هذه النجاسة المتوهمة ليكون ذلك أبلغ في الطهارة والتقديس.

ثم تداولتهم ملوك يونان والفرس والروم. واستفحل الملك لبني إسرائيل في هذه المدة: لبني حشمناي من كهنتهم، ثم لصهرهم هيرودس ولبنيه من بعده. وبنى هيرودس بيت المقدس على بناء سليمان عليه السلام، وتأنق فيه حتى أكمله في ست سنين. فلما جاء طيطش من ملوك الروم وغلبهم وملك أمرهم خرب بيت المقدس ومسجدها، وأمر أن يزرع مكانه. ثم أخذ الروم بدين المسيح عليه السلام ودانوا بتعظيمه. ثم اختلف حال ملوك الروم في الأخذ بدين النصرانية تارة وتركه أخرى، إلى أن جاء قسطنطين وتنصرت أمه هيلانة، وارتحلت إلى القدس في طلب الخشبة التي صلب عليها المسيح بزعمهم، فأخبرها القمامصة بأنه رمي بخشبته على الأرض، وألقي عليها القمامات والقاذورات. فاستخرجت الخشبة، وبنت مكان تلك القمامات كنيسة القمامة كأنها على قبره بزعمهم، وخربت ما وجدت من عمارة البيت، وأمرت بطرح الزبل والقمامات على الصخرة، حتى غطاها وخفي مكانها جزاء بزعمها عما فعلوه بقبر المسيح.

ثم بنوا بإزاء القمامة بيت لحم، وهو البيت الذي ولد فيه عيسى عليه السلام، وبقي الأمر كذلك إلى أن جاء الإسلام والفتح، وحضر عمر لفتح بيت المقدس، وسأل عن الصخرة فأري مكانها وقد علاها الزبل والتراب، فكشف عنها وبنى عليها مسجداً على طريق البداوة. وعظم من شأنه ما أذن الله من تعظيمه، وما سبق من أم الكتاب في فضله حسبما ثبت.

ثم احتفل الوليد بن عبد الملك في تشييد مسجده، على سنن مساجد الإسلام بما شاء الله من الاحتفال، كما فعل في المسجد الحرام وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وفي مسجد دمشق، وكانت العرب تسميه بلاط الوليد. وألزم ملك الروم أن يبعث الفعلة والمال لبناء هذه المساجد، وأن ينمقوها بالفسيفساء فأطاع لذلك وتم بناؤها على ما اقترحه.

ثم لما ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في آخرها، وكانت في ملكة العبيديين خلفاء القاهرة من الشيعة واختل أمرهم، زحف الفرنجة إلى بيت المقدس، فملكوه وملكوا معه عامة ثغور الشام. وبنوا على الصخرة المقدسة منه كنيسة كانوا يعظمونها ويفتخرون ببنائها، حتى إذا استقل صلاح الدين ابن أيوب الكردي بملك مصر والشام، ومحا أثر العبيديين وبدعهم زحف إلى الشام وجاهد من كان به من الفرنجة، حتى غلبهم على بيت المقدس، وعلى ما كانوا ملكوه من ثغور الشام. وذلك لنحو ثمانين وخمسائة من الهجرة. وهدم تلك الكنيسة وأظهر الصخرة وبنى المسجد على النحو الذي هو عليه اليوم لهذا العهد.

ولا يعرض لك الإشكال المعروف في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول بيت وضع، فقال: مكة. قيل: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قيل: فكم بينهما؟ قال: أربعون سنة. فإن المدة بين بناء مكة وبين بناء بيت المقدس، بمقدار ما بين إبراهيم وسليمان. لأن سليمان بانيه، وهو ينيف على الألف بكثير.

واعلم أن المراد بالوضع، في الحديث، ليس البناء، وإنما المراد أول بيت عين للعبادة. ولايبعد أن يكون بيت المقدس عين للعبادة قبل بناء سليمان بمثل هذه المدة. وقد نقل أن الصابئة بنوا على الصخرة هيكل الزهرة، فلعل ذلك لأنها كانت مكاناً للعبادة، كما كانت الجاهلية تضع الأصنام والتماثيل حوالي الكعبة وفي جوفها. والصابئة الذين بنوا هيكل الزهرة كانوا على عهد إبراهيم عليه السلام، فلا تبعد مئة الأربعين سنة بين وضع مكة للعبادة ووضع بيت المقدس، وإن لم يكن هناك بناء كما هو المعروف. وإن أول من بنى بيت المقدس سليمان عليه السلام، فتفهمه ففيه حل هذا الإشكال.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account