The Muqaddimah

في أسعار المدن
Read with the dictionary

ويبلغنا لهذا العهد عن أصوال أهل القاهرة ومصر من الترف والغنى في عوائدهم ما نقضي منه العجب. حتى إن كثيراً من الفقراء بالمغرب ينزعون إلى النقلة إلى مصر لذلك، ولما يبلغهم من أن شأن الرفه بمصر أعظم من غيرها. وتعتقد العامة من الناس أن ذلك لزيادة إيثار في أهل تلك الآفاق على غيرهم، أو أموال مختزنة لديهم،. وأنهم أكثر صدقة وإيثاراً من جميع أهل الأمصار، وليس كذلك. وإنما هو لما تعرفه من أن عمران مصر والقاهره أكثر من عمران هذه الأمصار التي لديك، فعظمت لذلك أحوالهم.

وأما حال الدخل والخرج فمتكافىء في جميع الأمصار. ومتى عظم الدخل، عظم الخرج وبالعكس. ومتى عظم الدخل والخرج، اتسعت أحوال الساكن ووسع المصر.

وكل شيء يبلغك من مثل هذا فلا تنكره، واعتبره بكثرة العمران، وما يكون عنه من كثرة المكاسب التي يسهل بسببها البذل والإيثار على مبتغيه. ومثله بشأن الحيوانات العجم مع بيوت المدينة الواحدة، وكيف تختلف أحوالها في هجرانها أو غشيانها. فإن بيوت أهل النعم والثروة والموائد الخصبة منها، تكثر بساحتها وأفنييها نثير الحبوب وسواقط الفتات، فيزدحم عليها غواشي النمل والخشاش. ويكثر في سربها الجرذان، وتأؤي إليه السنانير وتحلق فوقها عصائب الطيور، حتى تروح بطاناً وتمتلىء شبعاً ورياً. وبيوت أهل الخصاصة والفقر الكاسدة أرزاقهم، لا يسري بساحتها دبيب ولا يحلق بجوها طائر، ولا تأوي إلى زوايا بيوتهم فأرة ولا هرة، كما قال الشاعر:

يسقط الطير حيث ينتثر الحب ... وتغشى منازل الكرماء

فتأمل سر الله تعالى في ذلك، واعتبر غاشية الأناسي بغاشية العجم من الحيوانات، وفتات الموائد بفضلات الرزق والترف وسهولتها على من يبذلها، لاستغنائهم عنها في الأكثر بوجود أمثالها لديهم. واعلم أن اتساع الأحوال وكثرة النعم في العمران تابع لكثرته. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو غني عن العالمين.

الفصل الثاني عشر

في أسعار المدن

اعلم أن الأسواق كلها تشتمل على حاجات الناس: فمنها الضروري وهي الأقوات من الحنطة والشعير وما في معناهما كالباقلا والحمص والجلبان وسائر حبوب الأقوات ومصلحاتها كالبصل والثوم وأشباهه، ومنها الحاجي والكمالي مثل الأدم والفواكه والملابس والماعون والمراكب وسائر المصانع والمباني. فإذا استبحر المصر وكثر ساكنه، رخصت أسعار الضروري من القوت وما في معناه، وغلت أسعار الكمالي من الأدم والفواكه وما يتبعها، وإذا قل ساكن المصر وضعف عمرانه، كان الأمر بالعكس من ذلك. والسبب في ذلك أن الحبوب من ضرورات القوت، فتتوفر الدواعي على اتخاذها، إذ كل واحد لا يهمل قوت نفسه ولا قوت منزله، لشهره أو سنته، فيعم اتخاذها أهل المصر أجمع، أو الأكثر منهم في ذلك المصر أو فيما قرب منه، لا بد من ذلك. وكل متخذ لقوته، تفضل عنه وعن أهل بيته فضلة كثيرة، تسد خلة كثيرين من أهل ذلك المصر، فتفضل الأقوات عن أهل المصر من غير شك، فترخص أسعارها في الغالب، إلا ما يصيبها في بعض السنين من الآفات السماوية. ولولا احتكار الناس لها، لما يتوقع من تلك الآفات لبذلت دون ثمن ولا عوض لكثرتها بكثرة العمران.

وأما سائر المرافق من الأدم والفواكه وما إليها، فإنها لا تعم فيها البلوى، ولا يستغرق اتخاذها أعمال أهل المصر أجمعين، ولا الكثير منهم. ثم إن المصر إذا كان مستبحراً، موفور العمران، كثير حاجات الترف، توفرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها كل بحسب حاله، فيقصر الموجود منها عن الحاجات قصوراً بالغاً. ويكثر المستامون لها، وهي قليلة في نفسها، فتزدحم أهل الأغراض، ويبذل أهك الرفه والترف أثمانها بإسراف في الغلاء لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم، فيقع فيها الغلاء كما تراه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account