The Muqaddimah

الفصل الثالث عشر
Read with the dictionary

وأما الصنائع والأعمال أيضاً في الأمصار الموفورة العمران، فسبب الغلاء فيه أمور ثلاثة: الأول كثرة الحاجة لمكان الترف في المصر بكثرة عمرانه، والثاني اعتزاز أهل الأعمال بخدمتهم وامتهان أنفسهم، لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها، والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم، وإلى استعمال الصناع في مهنهم، فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها، فيعتز العمال والصناع وأهل الحرف، وتغلو أعمالهم، وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك.

وأما الأمصار الصغيرة، القليلة الساكن فأقواتهم قليلة لقلة العمل فيها، وما يتوقعونه لصغر مصرهم من عدم القوت، فيتمسكون بما يحصل منه في أيديهم ويحتكرونه، فيعز وجودة لديهم، ويغلو ثمنه على مستامه. وأما مرافقهم فلا تدعو إليها أيضاً حاجة لقلة الساكن وضعف الأحوال فلا تنفق لديهم سوقه فيختص بالرخص في سعره.

وقد يدخل أيضاً في قيمة الأقوات، قيمة ما يفرض عليها من المكوس والمغارم للسلطان، في الأسواق وأبواب المصر وللجباة في منافع يفرضونها على البياعات لأنفسهم. وبذلك كانت الأسعار في الأمصار أغلى من الأسعار في البادية، إذ المكوس والمغارم والفرائض قليلة لديهم أو معدومة. وبالعكس كثيرة في الأمصار لا سيما في آخر الدولة. وقد تدخل أيضاً في قيمة الأقوات قيمة علاجها في الفلح، ويحافظ على ذلك في أسعارها كما وقع بالأندلس لهذا العهد. وذلك أنهم، لما ألجأهم النصارى إلى سيف البحر، وبلاده المتوعره الخبيثة الزراعة النكدة النبات، وملكوا عليهم الأرض الزاكية والبلد الطيب، فاحتاجوا إلى علاج المزارع والفدن لإصلاح نباتها وفلحها، وكان ذلك العلاج بأعمال ذات قيم ومواد من الزبل وغيره لها مؤونة، وصارت في فلحهم نفقات لها خطر، فاعتبروها في سعرهم. واختص قطر الأندلس بالغلاء منذ اضطرهم النصارى إلى هذا المعمور بالإسلام مع سواحلها لأجل ذلك.

ويحسب الناس إذا سمعوا بغلاء الأسعار في قطرهم أنها لقلة الأقوات والحبوب في أرضهم، وليس كذلك، فهم أكثر أهل المعمور فلحاً فيما علمناه وأقومهم عليه، وقل أن يخلو منهم سلطان أو سوقة عن فدان أو مزرعة أو فلح، إلا قليلاً من أهل الصناعات والمهن أو الطراء على الوطن من الغزاة المجاهدين. ولهذا يختصهم السلطان في عطائهم بالعولة، وهي أقواتهم وعلوفاتهم من الزرع. وإنما السبب في غلاء سعر الحبوب عندهم ما ذكرناه.

ولما كانت بلاد البربر بالعكس من ذلك في زكاء منابتهم وطيب أرضهم ارتفعت عنهم المؤن جملة في الفلح مع كثرته وعمومه، فصار ذلك سبباً لرخص الأقوات ببلدهم. والله مقدر الليل والنهار، وهو الواحد القفار، لا رب سواه.

الفصل الثالث عشر

في قصور أهل البادية

عن سكنى المصر الكثير العمران والسبب في ذلك أن المصر الكثير العمران، يكثر ترفة كما قدمناه، وتكثر حاجات ساكنه من أجل الترف، وتعتاد تلك الحاجات لما يدعو إليها، فتنقلب ضرورات وتصير الأعمال فيه كلها مع ذلك عزيزة والمرافق غالية، بازدحام الأغراض عليها من أي الترف، وبالمغارم السلطانية التي توضع على الأسواق والبياعات وتعتبر في قيم المبيعات، ويعظم فيها الغلاء في المرافق والأقوات والأعمال، فتكثر لذلك نفقات ساكنه كثرة بالغة على نسبة عمرانه. ويعظم خرجه، فيحتاج حينئذ إلى المال الكثير للنفقة على نفسه وعياله في ضرورات عيشهم وسائر مؤنهم.

والبدوي لم يكن دخله كثيراً، إذ كان ساكناً بمكان كاسد الأسواق في الأعمال التي هي سبب الكسب، فلم يتأثل كسباً ولا مالاً فيتعذرعليه من أجل ذلك سكنى المصر الكبير، لغلاء مرافقه وعزة حاجاته. وهو في بدوه يسد خلته بأقل الأعمال، لأنه قليل عوائد الترف في معاشه وسائر مؤنه، فلا يضطر إلى المال. وكل من يتشوف إلى المصر وسكناه من أهل البادية، فسريعاً ما يظهر عجزه ويفتضح في استيطانه، إلا من تقدم منهم تأثل المال، ويحصل له منه فوق الحاجة، ويجري إلى الغاية الطبيعية لأهل العمران من الدعة والترف. فحينئذ ينتقل إلى المصر، وينتظم حاله مع أحوال أهله في عوائدهم وترفهم. وهكذا شأن بداية عمران الأمصار. والله بكل شيء محيط.

الفصل الرابع عشر

في أن الأقطار في اختلاف أحوالها..

بالرفه والفقر مثل الأمصار

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account