The Muqaddimah

في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع
Read with the dictionary

وأيضاً فأكثر أهل الأمصار في الملة لهذا العهد، من أعقاب العرب، المالكين لها، الهالكين في ترفها، بما كثروا العجم الذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم. واللغات متوارثة، فبقيت لغة الأعقاب على حيال لغة الآباء، وإن فسدت أحكامها بمخالطة الأعجام شيئاً فشيئاً. وسميت لغتهم حضرية منسوبة إلى أهل الحواضر والأمصار، بخلاف لغة البدو من العرب، فإنها كانت أعرق في العروبية. ولما تملك العجم من الديلم والسلجوقية بعدهم بالمشرق، وزناتة والبربر بالمغزب، وصار لهم ملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلامية، فسد اللسان العربي لذلك، وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة اللذين بهما حفظ الدين، وصار ذلك مرجحاً لبقاء اللغة المضرية من الشعر والكلام، إلا قليلاً بالأمصار، عربية. فلما ملك التتر والمغول بالمشرق، ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك المرجح، وفسدت اللغة العربية على الإطلاق، ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية، بالعراق وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر، وبلاد الشمال، وبلاد الروم، وذهبت أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام، إلا قليلاً يقع تعليمه صناعياً بالقوانين المتدارسة من علوم العرب، وحفظ كلامهم لمن يسره الله تعالى لذلك. وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس والمغرب، لبقاء الدين طالباً لها، فانحفظت بعض الشيء. وأما في ممالك العراق وما وراءه، فلم يبق له أثر ولا عين، حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي، وكذا تدريسه في المجالس. والله أعلم بالصواب. والله مقدر الليل والنهار. صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.

الباب الخامس من الكتاب الأول

في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع

وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مسائل

الفصل الأول

في حقيقة الرزق والكسب

وشرحهما وأن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية اعلم أن الإنسان مفتقر بالطبع إلى ما يقوته ويمونه، في حالاته وأطواره، من لدن نشوئه إلى أشده إلى كبره " والله الغني وأنتم الفقراء " . والله سبحانه خلق جميع ما في العالم للإنسان، وامتن به عليه في غير ما آية من كتابه فقال تعالى: " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه " وسخر لكم الشمس والقمر وسخر لكم البحر وسخر لكم الفلك وسخر لكم الأنعام. وكثير من شواهده. ويد الإنسان مبسوطة على العالم وما فيه، بما جعل الله له من الاستخلاف. وأيدي البشر منتشرة، فهي مشتركة في ذلك. وما حصل عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض. فالإنسان متى اقتدر على نفسه، وتجاوز طور الضعف، سعى في اقتناء المكاسب، لينفق ما آتاة الله منها، في تحصيل حاجاته وضروراته بدفع الأعواض عنها. قال الله تعالى: " فابتغوا عند الله الرزق " .

وقد يحصل له ذلك بغير سعي، كالمطر المصلح للزراعة وأمثاله. إلا أنها إنما تكون معينة، ولا بد من سعيه معها كما يأتي، فتكون له تلك المكاسب معاشاً إن كانت بمقدار الضرورة والحاجة، ورياشاً ومتمولاً إن زادت على ذلك. ثم إن ذلك الحاصل أو المقتنى، إن عادت منفعته على العبد، وحصلت له ثمرته، من إنفاقه في مصالحه وحاجاته سمي ذلك رزقاً. قال صلى الله عليه وسلم: " إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " . وإن لم ينتفع به في شيء من مصالحه ولا حاجاته فلا يسمى بالنسبة إلى المالك رزقاً، والمتملك منه حنيئذ بسعي العبد وقدرته يسمى كسباً. وهذا مثل التراث، فإنه يسمى بالنسبة إلى الهالك كسباً ولا يسمى رزقاً، إذ لم يحصل له به منتفع، وبالنسبة إلى الوارثين متى انتفعوا به يسمى رزقاً. وهذا حقيقة مسمى الرزق عند أهل السنة. وقد اشترط المعتزلة في تسميته رزقاً أن يكون بحيث يصح تملكه، وما لا يتملك عندهم فلا يسمى رزقاً. وأخرجوا الغصوبات والحرام كله عن أن يسمى شيء منها رزقاً. والله تعالى يرزق الغاصب والظالم والمؤمن والكافر، ويختص برحمته وهدايته من يشاء. ولهم في ذلك حجج ليس هذا موضع بسطها.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account