ثم اعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الاقتناء والقصد إلى التحصيل ، فلا بد في الرزق من سعي وعمل ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه. قال تعالى: " فابتغوا عند الله الرزق " . والسعي إليه إنما يكون بأقدار الله تعالى وإلهامه، فالكل من عند الله. فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول. لأنه إن كان عملاً بنفسه مثل الصنائع فظاهر، وإن كان مقتنى من الحيوان أو النبات أو المعدن فلا بد فيه من العمل الإنساني كما تراه، وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع.
ثم إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول، وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب. وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان، فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق، التي هما عنها بمعزل، فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة. وإذا تقرر هذا كله فاعلم أن ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات، إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه هو قيمة عمله، وهو القصد بالقنية، إذ ليس هنالك إلا العمل وليس بمقصود بنفسه للقنية. وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها. مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أن العمل فيهما أكثر، فقيمته أكثر. وإن كان من غير الصنائع، فلا بد في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به، إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها. وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصة من القيمة عظمت أو صغرت. وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس، فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ فى أسعار الحبوب كما قدمناه، لكنه خفي في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومؤونته يسيرة، فلا يشعر به إلا القليل من أهل الفلح. فقد تبين أن المفادات والمكتسبات كلها أو أكثرها إنما هي قيم الأعمال الإنسانية، وتبين مسمى الرزق، وأنه المنتفع به. فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسماهما.
واعلم أنه إذا فقدت الأعمال، أو قلت بانتقاص العمران، تأذن الله برفع الكسب.
ألا ترى إلى الأمصار القليلة الساكن، كيف يقل الرزق والكسب فيها، أو يفقد، لقلة الأعمال الإنسانية. وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر، يكون أهلها أوسع أحوالاً وأشد رفاهية كما قدمناه قبل. ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد، إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها، حتى أن الأنهار والعيون ينقطع جريها في القفر، لما أن فور العيون إنما يكون بالإنباط والامتراء الذي هو بالعمل الإنساني، كالحال في ضروع الأنعام، فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة، كما يجف الضرع إذا ترك امتراؤه. وانظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيام عمرانها، ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنها لم تكن. " والله يقدر الليل والنهار " .
الفصل الثاني
في وجوه المعاش وأصنافه ومذاهبه
اعلم أن المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله، وهو مفعل من العيش. كأنه لما كان العيش الذي هو الحياة لا يحصل إلا بهذه، جعلت موضعاً له على طريق المبالغة. ثم إن تحصيل الرزق وكسبه: إما أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه، على قانون متعارف، ويسمى مغرماً وجباية، وإما أن يكون من الحيوان الوحشي باقتناصه وأخذه برميه من البر أو البحر، ويسمى اصطياداً، وإما أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المتصرفة بين الناس في منافعهم، كاللبن من الأنعام، والحرير من دوده، والعسل من نحله، أو يكون من النبات في الزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته. ويسمى هذا كله فلحاً. وإما أن يكون الكسب من الأعمال الإنسانئة: إما في مواد بعينها، وتسمى الصنائع من كتابة وتجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك، أو في مواد غير معينة، وهي جميع الامتهانات والتصرفات، وإما أن يكون الكسب من البضائع وإعدادها للأعواض، إما بالتقلب بها في البلاد أو احتكارها وارتقاب حوالة الأسواق فيها. ويسمى هذا تجارة.