The Muqaddimah

الفصل السابع والثلاثون
Read with the dictionary

وأما الدعاء على المنابر في الخطبة فكان الشأن أولاً عند الخلفاء ولاية الصلاة بأنفسهم. فكانوا يدعون لذلك بعد الصلاة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والرضا عن أصحابه. وأول من اتخذ المنبر عمرو بن العاص لما بنى جامعه بمصر. وأول من دعا للخليفة على المنبر ابن عباس، دعا لعلي رضي الله عنهما في خطبته وهو بالبصرة عامل له عليها، قال: اللهم انصر علياً على الحق. واتصل العمل على ذلك فيما بعد. وبعد أخذ عمرو بن العاص المنبر بلغ عمر بن الخطاب ذلك، فكتب إليه عمر بن الخطاب: " أما مد، فقد بلغني أنك اتخذت منبراً ترقى به على رقاب المسلمين، أو ما يكفيك أن تكون قائماً والمسلمون تحت عقبك؟! فعزمت عليك إلا ما كسرته. فلما حدثت الأبهة، وحدث في الخلفاء المانع من الخطبة والصلاة استنابوا فيهما. فكان الخطيب يشيد بذكر الخليفة على المنبر تنويهاً باسمه ودعاء له بما جعل الله مصلحة العالم فيه، ولأن تلك ساعة مظنة للإجابة، ولما ثبت عن السلف في قولهم: من كانت له دعوة صالحة ليضعها في السلطان. وكان الخليفة يفرد بذلك.

فلما جاء الحجر والاستبداد صار المتغلبون على الدول كثيراً ما يشاركون الخليفة بذذلك، ويشاد باسمهم عقب اسمه. وذهب ذلك بذهاب تلك الدول، وصار الأمر إلى ختصاص السلطان بالدعاء له على المنبر دون من سواه، وحظر أن يشاركه فيه أحد يسمو إليه.

وكثيراً ما يغفل الماهدون من أهل الدول هذا الرسم عندما تكون الدولة في أسلوب الغضاضة ومناحي البداوة في التغافل والخشونة، ويقنعون بالدعاء على الإبهام والإجمال لمن ولي أمور المسلمين. ويسمون مثل هذه الخطبة إذا كانت على هذا المنحى عباسية، يعنون بذلك أن الدعاء على الإجمال إنما يتناول العباسي تقليداً في ذلك لما سلف من الأمر، ولا يحفلون بما وراء ذلك من تعيينه والتصريح باسمه. يحكى أن يغمراسن بن زيان، ماهد دولة بني عبد الواد لما غلبه الأمير أبو زكريا يحيى بن أبي حفص على تلمسان، ثم بدا له في إعادة الأمر إليه على شروط شرطها، كان فيها ذكر اسمه على منابر عمله، فقال يغمراسن: تلك أعوادهم يذكرون عليها من شاؤوا. وكذلك يعقوب بن عبد الحق ماهد دولة بني مرين، حضره رسول المستنصر الخليفة بتونس من بني أبي حفص وثالث ملوكهم، وتخلف بعض أيامه عن شهود الجمعة، فقيل له لم يحضر هذا الرسول كراهية لخلو الخطبة من ذكر سلطانه، فأذن في الدعاء له، وكان ذلك سبباً لأخذهم بدعوته. وهكذا شأن الدول في بدايتها وتمكنها في الغضاضة والبداوة. فإذا انتبهت عيون سياستهم، ونظروا في أعطاف ملكهم واستتموا شيات الحضارة ومعاني البذخ والأبهة، انتحلوا جميع هذه السمات وتفننوا فيها، وتجاروا إلى غايتها، وأنفوا من المشاركة فيها، وجزعوا من افتقادها وخلو دولتهم من آثارها. والعالم بستان. والله على كل شيء رقيب.

الفصل السابع والثلاثون

في الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها

اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله. وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منها أهل عصبيته. فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الإنتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل.

وسبب هذا الإنتقام في الأكثر: إما غيرة ومنافسة، وإما عدوان ة وإما غضب لله ولدينه ث وإما غضب للملك وسعي في تمهيده. فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة. والثاني، وهو العدوان، أكثر ما يكون من الأمم الوحشية الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم، لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم، ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم، ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب، ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك، وإنما همهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم. والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد. والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها، فهذه أربعة أصناف من الحروب: الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة، والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل، وصفة الحروب الواقعة بين الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين: نوع بالزحف صفوفاً، ونوع بالكر والفر. أما الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account