The Muqaddimah

ضرب المصاف وراء العسكر
Read with the dictionary

وأما الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب.

وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر. وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف، وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدماً. فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو، لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد، لا يطمع في إزالته.

وفي التنزيل: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص " أي يشد بعضهم بعضاً بالثبات. وفي الحديث الكريم: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يسد بعضه بعضاً. ومن هنا يظهر لك حكمة إيجاب الثبات وتحريم التولي في الزحف، فإن المقصود من الصف في القتال حفظ النظام كما قلناه، فمن ولى العدو ظهره فقد أخل بالمصاف، وباء بإثم الهزيمة إن وقعت وصار كأنه جرها على المسلمين، وأمكن منهم عدوهم، فعظم الذنب لعموم المفسدة، وتعديها إلى الدين بخرق سياجه، فغد من الكبائر. ويظهر من هذه الأدلة أن قتال الزحف أشد عند الشارع.

وأما قتال الكر والفر فليس فيه من الشدة والأمن من الهزيمة ما في قتال الزحف.

إلا أنهم قد يتخذون وراءهم في القتال مصافاً ثابتاً يلجأون إليه في الكر والفر، ويقوم لهم مقام قتال الزحف كما نذكره بعد.

ثم إن الدول القديمة الكثيرة الجنود المتسعة الممالك كانوا يقسمون الجيوش والعساكر أقساماً، يسمونها كراديس، ويسوون في كل كردوس صفوفه. وسبب ذلك أنه لما كثرت جنودهم الكثرة البالغة، وحشدوا من قاصية النواحي، استدعى ذلك أن يجهل بعضهم بعضاً إذا اختلطوا في مجال الحرب واعتوروا مع عدوهم الطعن والضرب، فيخشى من تدافعهم فيما بينهم لأجل النكراء وجهل بعضهم ببعض، فلدلك كانوا يقسمون العساكر جموعاً ويضمون المتعارفين بعضهم لبعض، ويرتبونها قريباً من الترتيب الطبيعي في الجهات الأربع. ورئيس العساكر كلها من سلطان أو قائد في القلب. ويسمون هذا الترتيب التعبئة، وهو مذكور في أخبار فارس والروم والدولتين صدر الإسلام. فيجعلون بين يدي الملك عسكراً منفرداً بصفوفه متميزاً بقائده ورايته وشعاره، ويسمونه المقدمة، ثم عسكراً آخر من ناحية اليمين عن موقف الملك وعلى سمته يسمون الميمنة، ثم عسكراً آخر من ناحية الشمال كذلك يسمون الميسرة، ثم عسكراً آخر من وراء العسكر يسمونه الساقة، ويقف الملك وأصحابه في الوسط بين هذه الأربع، ويسمون موقفه القلب. فإذا تم لهم هذا الترتيب المحكم، إما في مدى واحد للبصر أو على مسافة بعيدة، أكثرها اليوم واليومان بين كل عسكرين منها، أو كيفما أعطاه حال العساكر في القلة والكثرة، فحينئذ يكون الزحف من بعد هذه التعبئة.

وانظر ذلك في أخبار الفتوحات وأخبار الدولتين بالمشرق، وكيف كانت العساكر لعهد عبد الملك تتخفف عن رحيله لبعد المدى في التعبئة، فاحتيج لمن يسوقها من خلفه وعين لذلك الحجاج بن يوسف كما أشرنا إليه، وكما هو معروف في أخباره. وكان في الدولة الأموية بالأندلس أيضاً كثير منه وهو مجهول فيما لدينا، لأنا إنما أدركنا دولاً قليلة العساكر، لا تنتهي في مجال الحرب إلى التناكر، بل أكثر الجيوش من الطائفتين معاً يجمعهم لدينا حلة أو مدينة، ويعرف كل واحد منهم قرنه ويناديه في حومة الحرب باسمه ولقبه، فاستغني عن تلك التعبئة.

ضرب المصاف وراء العسكر

ومن مذاهب أهل الكر والفر في الحروب ضرب المصاف وراء عسكرهم من الجمادات والحيوانات العجم، فيتخذونها ملجأ للخيالة في كرهم وفرهم، يطلبون به ثبات المقاتلة ليكون أدوم للحرب وأقرب إلى الغلب. وقد يفعله أهل الزحف أيضاً ليزيدهم ثباتاً وشدة.

فقد كان الفرس وهم أهل الزحف، يتخذون الفيلة في الحروب ويحملون عليها أبراجاً من الخشب أمثال الصروح، مشحونة بالمقاتلة والسلاح والرايات، ويصفونها وراءهم في حومة الحرب كأنها حصون، فتقوى بذلك نفوسهم ويزداد وثوقهم.

وانظر ما وقع من ذلك في القادسية، وأن فارس في اليوم الثالث اشتدوا بها على المسلمين حتى اشتدت رجالات من العرب فخالطوهم وبعجوها بالسيوف على خراطيمها، فنفرت ونكصت على أعقابها إلى مرابطها بالمدائن، فجفا معسكر فارس لذلك وانهزموا في اليوم الرابع.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account