وأما الروم وملوك القوط بالأندلس وأكثر العجم، فكانوا يتخذون لذلك الأسرة ينصبون للملك سريره في حومة الحرب، ويحف به من خدمه وحاشيته وجنوده من هو زعيم بالاستماتة دونه، وترفع الرايات في أركان السرير، ويحدق به سياج آخر من الرماة والرجالة، فيعظم هيكل السرير ويصير فئة للمقاتلة وملجأ للكر والفر. وجعل ذلك الفرس أيام القادسية، وكان رستم جالساً على سرير نصبه لجلوسه، حتى إختلفت صفوف فارس وخالطه العرب في سريره ذلك، فتحول عنه إلى الفرات وقتل.
وأما أهل الكر والفر من العرب وأكثر الأمم البدوية الرحالة فيصفون لذلك إبلهم والظهر الذي يحمل ظعائنهم فيكون فئة لهم، ويسمونها المجبوذة، وليس أمة من الأمم إلا وهي تفعل ذلك في حروبها، وتراه أوثق في الجولة، وآمن من الغرة والهزيمة. وهو أمر مشاهد.
وقد أغفلته الدول لعهدنا بالجملة، واعتاضوا عنه بالظهر الحامل للأثقال والفساطيط يجعلونها ساقة من خلفهم، ولا تغني غناء الفيلة والإبل. فصارت العساكر بذلك عرضة للهزائم، ومستشعرة للفرار في المواقف.
وكان الحرب أول الإسلام كله زحفاً. وكان العرب إنما يعرفون الكر والفر. لكن حملهم على ذلك أول الإسلام أمران: أحدهما أن عدوهم كانوا يقاتلون زحفاً فيضطرون إلى مقاتلتهم بمثل قتالهم، الثاني: أنهم كانوا مستميتين في جهادهم لما رغبوا فيه من الصبر، ولما رسخ فيهم من الإيمان، والزحف إلى الاستماتة أقرب.
وأول من أبطل الصف في الحروب وصار إلى التعبئة كراديس مروان بن الحكم في قتال الضحاك الخارجي والحبيري بعده. قال الطبري: لما ذكر قتال الحبيري: فولى الخواربخ عليهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري ويلقب أبا الذلفاء، وقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصف من يومئذ انتهى. فتنوسي قتال الزحف بإبطال الصف، ثم تنوسي الصف وراء المقاتلة بما داخل الدول من الترف. وذلك إنها حينما كانت بدوية وسكناهم الخيام كانوا يستكثرون من الإبل وسكنى النساء والولدان معهم في الأحياء. فلما حصلوا على ترف الملك وألفوا سكنى القصور والحواضر وتركوا شأن البادية والقفر نسوا لذلك عهد الأبل والظعائن، وصعب عليهم اتخاذها، فخلفوا النساء في الأسفار وحملهم الملك والترف على اتخاذ الفساطيط والأخبية، فاقتصروا على الظهر الحامل للأثقال والأبنية وكان ذلك صفتهم في الحرب. ولايغني كل الغناء لأنه لا يدعو إلى الاستماتة كما يدعو إليها الأهل والمال. فيخف الصبر من أجل ذلك وتصرفهم الهيعات وتخرم صفوفهم.
فصل: ولما ذكرناه من ضرب المصاف وراء العساكر وتأكده في قتال الكر والفر، صار ملوك المغرب يتخذون طائفة من الأفرنج في جندهم، واختصوا بذلك لأن قتال أهل وطنهم كله بالكر والفر. والسلطان يتأكد في حقه ضرب المصاف ليكون ردءاً للمقاتلة أمامه، فلا بد وأن يكون أهك ذلك الصف من قوم متعودين للثبات في الزحف، وإلا أجفلوا على طريقة أهل الكر والفر، فانهزم السلطان والعساكر بإجفالهم، فاحتاج الملوك بالمغرب أن يتخذوا جنداً من هذه الأمة المتعودة الثبات في الزحف وهم الأفرنج، ويرتبون مصافهم المحدق بهم منها، هذا على ما فيه من الأستعانة بأهل الكفر. وإنما استخفوا ذلك للضرورة التي أريناكها من تخوف الأجفال على مصاف السلطان والإفرنج لا يعرفون غير الثبات في ذلك، لأن عادتهم في القتال الزحف، فكانوا أقوم بذلك من غيرهم. مع أن الملوك في المغرب إنما يفعلون ذلك عند الحرب مع أمم العرب والبربر، وقتالهم على الطاعة، وأما في الجهاد فلا يستعينون بهم حذراً من ممالأتهم على المسلمين. هذا هو الواقع بالمغرب لهذا العهد، وقد أبدينا سببه.، الله بكل شيء عليم.
فصل: وبلغنا أن أمم الترك لهذا العهد قتالهم مناضلة بالسهام، وأن تعبئة الحرب عندهم بالمصاف، وأنهم يقسمون بثلاثة صفوف، يضربون صفاً وراء صف، ويترجلون عن خيولهم، ويفرغون سهامهم بين أيديهم، ثم يتناضلون جلوساً، وكل صف ردء للذي أمامه أن يكبسهم العدو، إلى أن يتهيأ النصر لإحدى الطائفتين على الأخرى. وهي تعبئة محكمة غريبة.