فصل: وكان من مذاهب الأول في حروبهم حفر الخنادق على معسكرهم عندما يتقاربون للزحف، حذراً من معرة البيات والهجوم على العسكر بالليل، لما في ظلمته ووحشته من مضاعفة الخوف، فيلوذ الجيش بالفرار وتجد النفوس في الظلمة ستراً من عاره، فإذا تساووا في ذلك أرجف العسكر ووقعت الهزيمة. فكانوا لذلك يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا نزلوا وضربوا أبنيتهم، ويديرون الحفائر نطاقاً عليهم من جميع جهاتهم، حرصاً أن يخالطهم العدو بالبيات، فيتخاذلوا. وكانت للدول في أمثال هذا قوة وعليه اقتدار باحتشاد الرجال، وجمع الأيدي عليه في كل منزل من منازلهم، بما كانوا عليه من وفور العمران وضخامة الملك. فلما خرب العمران وتبعه ضعف الدول وقلة الجنود وعدم الفعلة نسي هذا الشان جملة كأنه يكن. والله خير القادرين.
وصية علي رضي الله عنه
وتحريضه لأصحابه يوم صفين: وانظر وصية علي رضي الله عنه وتحريضه لأصحابه يوم صفين تجد كثيراً من علم الحرب ولم يكن أحد أبصر بها منه.
قال في كلام له: " فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر. وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام. والتووا على أطراف الرماح، فإنه أصون للأسنة. وغضوا الأبصار، فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب. واخفتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار. وأقيموا راياتكم، فلا تميلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم. واستعينوا بالصدق والصبر، فإنه بقدر الصبر ينزل النصر " .
وقال الأشتر يومئذ يحرض الأزد: " عضوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم، وشدوا شدة قوم موتورين يثارون بآبائهم وإخوانهم حناقاً على عدوهم، وقد وطنوا على الموت أنفسهم لئلا يسبقوا بوتر، ولا يلحقهم في الدنيا عار.
وقد أشار إلى كثير من ذلك أبو بكر الصيرفي شاعر لمتونة وأهل الأندلس في كلمة يمدح بها تاشفين بن علي بن يوسف، ويصف ثباته في حرب شهدها، ويذكره بأمور الحرب في وصايا وتحذيرات تنبهك على معرفة كثير من سياسة الحرب يقول فيها:
يا أيها الملأ الذي يتقنع ... من منكم الملك الهمام الأروع
ومن الذي غدر العدو به دجى ... فانفض كل وهو لا يتزعزع
تمضي الفوارس والطعان يصدها ... عنه ويدمرها الوفاء فترجع
والليل من وضح الترائك إنه ... صبح على هام الجيوش يلمع
أنى فزعتم يا بني صنهاجة ... وإليكم في الروع كان المفزع
إنسان عين لم يصبه منكم ... حضن وقلب أسلمته الأضلع
وصددتم عن تاشفين وإنه ... لعقابه لو شاء فيكم موضع
ما أنتم إلا اسود خفية ... كل لكل كريهة مستطلع
يا تاشفين أقم لجيشك عذره ... بالفيل والعذر الذي لا يدفع
ومنها في سياسة الحرب:
أهديك من أدب السياسة ما به ... كانت ملوك الفرس قبلك تولع
لا إنني أدري بها لكنها ... ذكرى تحض المؤمنين وتنفع
والبس من الحلق المضاعفة التي ... وصى بها صنع الصنائع تبع
والهندواني الرقيق فإنه ... سيان تتبع ظافراً أو تتبع
واركب من الخيل السوابق عدة ... أمضى على حد الدلاص وأقطع
خندق عليك إذا ضربت محلة ... حصناًحصيناً ليس فيه مدفع
والواد لا تعبره وانزل عنده ... بين العدو وبين جيشك يقطع
واجعل مناجزة الجيوش عشية ... ووراءك الصدق الذي هو أمنع
وإذا تضايقت الجيوش بمعرك ... ضنك فأطراف الرماح توسع
واصدمه أول وهلة لا تكترث ... شيئاً فإظهار النكول يضعضع
واجعل من الطلاع أهل شهامة ... للصدق فيهم شيمة لاتخدع
لا تسمع الكذاب جاءك مرجفاً ... لا رأي للكذاب فيما يصنع