قوله: " واصدمة أول وهلة لا تكترث " البيت مخالف لما عليه الناس في أمر الحرب. فقد قال عمر لأبي عبيد بن مسعود الثقفي لما ولاه حرب فارس والعراق فقال له: اسمع وأطع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر، ولا تجيبن مسرعاً حتى تتبين، فإنها الحرب ولا يصلح لها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف.
وقال له في أخرى: " إنه لن يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته في الحرب. وفي التسرع في الحرب إلا عن بيان ضياع. والله لولا ذلك لأمرته. لكن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث " .
هذا كلام عمر، وهو شاهد بأن التثاقل في الحرب أولى من الخفوف، حتى يتبين حال تلك الحرب. وذلك عكس ما قاله الصيرفي إلا أن يريد أن الصدم بعد البيان فله وجه. والله تعالى أعلم.
ولا وثوق في الحرب بالظفر وإن حصلت أسبابه من العدة والعديد، وإنما الظفر فيها والغلب من قبيل البخت والاتفاق. وبيان ذلك أن أسباب الغلب في الأكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي الجيوش ووفورها وكمال الأسلحة واستجادتها وكثرة الشجعان وترتيب المصاف، ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك، ومن أمور خفية وهي إما من خدع البشر وحيلهم في الإرجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل وفي التقدم إلى الأماكن المرتفعة ليكون الحرب من أعلى فيتوهم المنخفض لذلك، وفي الكمون في الغياض ومطمئن الأرض والتواري بالكدى عن العدو حتى يتداولهم العسكر دفعة، وقد تورطوا، فيتلفتون إلى النجاة، وأمثال ذلك. وأما أن تكون تلك الأسباب الخفية، أموراً سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقى في القلوب، فيستولي الرهب عليهم لأجلها فتختل مراكزهم فتقع الهزيمة. وأكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصاً على الغلب، فلا بد من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " الحرب خدعة " .
ومن أمثال العرب: " رب حيلة أنفع من قبيلة " . فقد تبين أن وقوع الغلب في الحروب غالباً عن أسباب خفية غير ظاهرة، ووقوع الأشياء عن الأسباب الخفية هو معنى البخت كما تقرر في موضعه. فاعتبره وتفهم من وقوع الغلب عن الأمور السماوية كما شرحناه، معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب مسيرة شهر " ، وما وقع من غلبه للمشركين في حياته بالعدد القليل وغلب المسلمين من بعده كذلك في الفتوحات. فإن الله سبحانه وتعالى تكفل لنبيه بإلقاء الرعب في قلوب الكافرين حتى يستولي على قلوبهم، فينهزموا، معجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فكان الرعب في قلوبهم سبباً للهزائم في الفتوحات الإسلامية كلها، إلا أنه خفي عن العيون.
وقد ذكر الطرطوشي: أن من أسباب الغلب في الحروب أن تفضل عدة الفرسان المشاهير من الشجعان في أحد الجانبين على عدتهم في الجانب الأخر، مثل أن يكون أحد الجانبين فيه عشرة أو عشرون من الشجعان المشاهير وفي الجانب الآخر ثمانية أو ستة عشر، فالجانب الزائد ولو بواحد يكون له الغلب، وأعاد في ذلك وأبدى، وهو راجح إلى الأسباب الظاهرة التي قدمنا، وليس بصحيح. وإنما الصحيح المعتبر في الغلب حال العصبية أن يكون في أحد الجانبين عصبية واحدة جامعة لكلهم، وفي الجانب الآخر عصائب متعددة لأن العصائب إذا كانت متعددة يقع بينها من التخاذل ما يقع في الوحدان المتفرقين الفاقدين للعصبية، إذ تنزل كل عصابة منهم منزلة الواحد، ويكون الجانب الذي عصابته متعددة لا يقاوم الجانب الذي عصبيته واحدة لأجل ذلك فتفهمه. واعلم أنه أصح في الاعتبار مما ذهب إليه الطرطوشي ولم يحمله على ذلك إلا نسيان شأن العصبية في حلته وبلده، وأنهم إنما يردون ذلك الدفاع والحماية والمطالبة إلى الوحدان، والجماعة الناشئة عنهم، لا يعتبرون في ذلك عصبية ولا نسباً. وقد بينا ذلك أول الكتاب مع أن هذا وأمثاله على تقدير صحته إنما هو من الأسباب الظاهرة مثل اتفاق الجيش العدة وصدق القتال وكثرة الأسلحة وما أشبهها، فكيف يجعل ذلك كفيلاً بالغلب. ونحن قد قررنا لك الآن أن شيئاً منها لايعارض الأسباب الخفية من الحيل والخداع ولا الأمور السماوية من الرعب والخذلان الإلهي. فافهمه وتفهم أحوال الكون. والله مقدر الليل والنهار.