The Muqaddimah

الفصل العاشر
Read with the dictionary

والسبب في ذلك أن الكسب كما قدمناه قيمة الأعمال، وأنها متفاوتة بحسب الحاجة إليها. فإذا كانت الأعمال ضرورية في العمران عامة البلوى فيه، كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشد. وأهل هذه الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة الخلق، وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص ممن أقبل على دينه. وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات، فليس على وجه الاضطرار والعموم، فيقع الاستغناء عن هؤلاء. في الأكثر. وإنما يهتم بهم وبإقامة مراسمهم صاحب الدولة، بما له من النظر في المصالح فيقسم لهم حظاً من الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو الذي قررناه. لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع الضرورية، وإن كانت بضاعتهم أشرف من حيث الدين والمراسم الشرعية، لكنه يقسم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران، فلا يصح في قسمتهم إلا القليل. وهم أيضاً لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم، فلا يخضعون لأهل الجاه، حتى ينالوا منه حظاً يستدرون به الرزق، بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك، لما هم فيه من الشغل بهذه الصنائع الشريفة المشتملة على أعمال الفكر والتدبر. بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا لشرف صنائعهم، فهم بمعزل عن ذلك. فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب. ولقد باحثت بعض الفضلاء فأنكر ذلك علي، فوقع بيدي أوراق مخرقة من حسابات الدواوين بدار المأمون، تشتمل على كثير من الدخل والخرج يومئذ. وكان فيما طالعت فيه أرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين فوقفته عليه. وعلم منه صحة ما قلته ورجع إليه. وقضينا العجب من أسرار الله في خليقته، وحكمته في عوالمه. والله الخالق القادر، لارب سواه.

الفصل الثامن

في أن الفلاحة من معاش المستضعفين

وأهل العافية من البدو وذلك لأنه أصيل في الطبيعة وبسيط في منحاه. ولذلك لا تجده ينتحله أحد من أهل الحضر في الغالب، ولا من المترفين. ويختص منتحله بالمذلة. قال صلى الله عليه وسلم، وقد رأى السكة ببعض دور الأنصار: " ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله الذل " . وحمله البخاري على الاستكثار منه. وترجم عليه باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو تجاوز الحد الذي أمر به. والسبب فيه والله أعلم ما يتبعها من المغرم المفضي إلى التحكم واليد العالية، فيكون الغارم ذليلاً بائساً، بما تتناوله أيدي القهر والاستطالة. قال صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى تعود الزكاة مغرماً " إشارة إلى الملك العضوض، القاهر للناس، الذي معه التسلط والجور، ونسيان حقوق الله تعالى في المتمولات، واعتبار الحقوق كلها مغرماً للملوك والدول. والله قادر على ما يشاء. والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق.

الفصل التاسع

في معني التجارة ومذاهبها وأصنافها

اعلم أن التجارة محاولة الكسب بتنمية المال، بشراء السلع بالرخص، وبيعها بالغلاء، أياً ما كانت السلعة، من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش. وذلك القدر النامي يسمى ربحاً. فالمحاول لذلك الربح: إما أن يختزن السلعة ويتحين بها حوالة الأسواق من الرخص إلى الغلاء، فيعظم ربحه، وإما بأن ينقله إلى بلد آخر تنفق فيه تلك السلعة أكثر من بلده الذي اشتراها فيه، فيعظم ربحه. ولذلك قال بعض الشيوخ من التجار، لطالب الكشف عن حقيقة التجارة: أنا أعلمها لك في كلمتين، اشتراء الرخيص وبيع الغالي. فقد حصلت التجارة إشارة منه بذلك إلى المعنى الذي قررناه. والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق، لا رب سواه.

الفصل العاشر

في أي أصناف الناس ينتفع بالتجارة وأيهم ينبغي له اجتناب حرفها

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account