The Muqaddimah

الفصل الثاني عشر
Read with the dictionary

قد تقدم لنا أن معنى التجارة تنمية المال، بشراء البضائع ومحاولة بيعها بالغلاء بأغلى من ثمن الشراء. اما بانتظار حوالة الأسواق ، أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو بيعها، بالغلاء على الآجال. وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال نزر يسير، لأن المال إن كان كثيراً عظم الربح، لأن القليل في الكثير كثير. ثم لا بد في محاولة هذه التنمية الذي هو الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة، في شراء البضائع وبيعها، ومعاملتهم في تقاضي أثمانها. وأهل النصفة قليل، فلا بد من الغش والتطفيف المجحف بالبضائع، ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح. كتعطيل المحاولة في تلك المدة وبها نماؤه. ومن الجحود والإنكار المسحت لرأس المال، إن لم يتقيد بالكتاب والشهادة. وغناء الحكام في ذلك قليل، لأن الحكم إنما هو على الظاهر، فيعاني التاجرمن ذلك أحوالاً صعبة. ولا يكاد يحصل على ذلك التافه من الربح إلا بعظم العناء والمشقة، أو لا يحصل، أو يتلاشى رأس ماله. فإن كان جريئاً على الخصومة، بصيراً بالحسبان، شديد المماحكة، مقداماً على الحكام، كان ذلك أقرب له إلى النصفة منهم بجراءته، ومماحكته، وإلا فلا بد له من جاه يدرع به، فيوقع له الهيبة عند الباعة، ويحمل الحكام على إنصافه من غرمائه، فيحصل له بذلك النصفة واستخلاص ماله منهم، طوعاً في الأول وكرهاً في الثاني. وأما من كان فاقداً للجراءة والإقدام من نفسه، وفاقد الجاه من الحكام، فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة، لأنه يعرض ماله للضياع والذهاب، ويصيره مأكلة للباعة، ولا يكاد ينتصف منهم، لأن الغالب في الناس، وخصوصاً الرعاع والباعة، شرهون إلى ما في أيدي الناس سواهم، متوثبون عليه. ولولا وازع الأحكام لأصبحت أموال الناس نهباً. " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين " .

الفصل الحادي عشر

في أن خلق التجار نازلة..

عن خلق الأشراف والملوك وذلك أن التجار في غالب أحوالهم إنما يعانون البيع والشراء، ولا بد فيه من المكايسة ضرورة. فإن اقتصر عليها اقتصرت به على خلقها، وهي أعني خلق المكايسة، بعيدة عن المروءة، التي تتخلن بها الملوك والأشراف. وأما إن استرذل خلقه بما يتبع ذلك في أهل الطبقة السفلى منهم، من المماحكة والغش والخلابة وتعاهد الأيمان الكاذبة على الأثمان رداً وقبولاً، فأجدر بذلك الخلق أن يكون في غاية المذلة لما هو معروف. ولذلك تجد أهل الرئاسة يتحامون الاحتراف بهذه الحرفة، لأجل ما يكسب من هذا الخلق. وقد يوجد منهم من يسلم من هذا الخلق ويتحاماه، لشرف نفسه وكرم جلاله، إلا أنه في النادر بين الوجود. والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه، وهو رب الأولين والآخرين.

الفصل الثاني عشر

في نقل التاجر للسلع

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account