The Muqaddimah

الفصل الثالث عشر
Read with the dictionary

التاجر البصير بالتجارة، لا ينقل من السلع، إلا ما تعم الحاجة إليه، من الغني والفقير والسلطان والسوقة، إذ في ذلك نفاق سلعته. وأما إذا اختص نقله بما يحتاج إليه البعض فقط، فقد يتعذر نفاق سلعته حينئذ، بأعواز الشراء من ذلك البعض، لعارض من العوارض، فتكسد سوقه وتفسد أرباحه. وكذلك إذا نقل السلعة المحتاج إليها فإنما ينقل الوسط من صنفها، فإن الغالي من كل صنف من السلع إنما يختص به أهل الثروة وحاشية الدولة، وهم الأقل. وإنما يكون الناس أسوة في الحاجة إلى الوسط من كل صنف، فليتحر ذلك جهده، ففيه نفاق سلعته أو كسادها. وكذلك نقل السلع من البلد البعيد المسافة، أو شدة الخطر في الطرقات، يكون أكثر فائدة للتجار وأعظم أرباحاً وأكفل بحوالة الأسواق. لأن السلع المنقولة حينئذ تكون قليلة معوزة، لبعد مكانها أو شدة الغرر في طريقها، فيقل حاملوها ويعز وجودها. وإذا قلت وعزت غلت أثمانها. وأما إذا كان البلد قريب المسافة، والطريق سابل بالأمن، فإنه حينئذ يكثر ناقلوها، فتكثر وترخص أثمانها. ولهذا تجد التجار الذين يولعون بالدخول إلى بلاد السودان أرفه الناس وأكثرهم أموالاً، لبعد طريقهم ومشقته، واعتراض المفازة الصعبة المخطرة بالخوف والعطش. لا يوجد فيها الماء إلا في أماكن معلومة، يهتدي إليها أدلاء الركبان، فلا يرتكب خطر هذا الطريق وبعده إلا الأقل من الناس. فتجد سلع بلاد السودان قلية لدينا، فتختض بالغلاء، وكذلك سلعنا لديهم. فتعظم بضائع التجار من تناقلها وويسرع إليهم والثروة من أجل ذلك. وكذلك المسافرون من بلادنا إلى المشرق، لبعد الشقة. وأما المترددون في الأفق الواحد، ما بين أمصاره وبلدانه، ففائدتهم قليلة وأرباحهم تافهة، لكثرة السلع وكثرة ناقليها. و " الله هو الرزاق ذو القوة المتين " .

الفصل الثالث عشر

في الاحتكار

ومما اشتهر عند ذوي البصر والتجربة في الأمصار، أن احتكار الزرع لتحين أوقات الغلاء مشؤوم. وأنه يعود على فائدته، بالتلف والخسران. وسببه، والله أعلم، أن الناس لحاجتهم إلى الأقوات مضطرون إلى ما يبذلون فيها من المال اضطراراً، فتبقى النفوس متعلقة به. وفي تعلق النفوس بمالها سر كبير في وباله على من يأخذه مجاناً.

ولعله الذي اعتبره الشارع في أخذ أموال الناس بالباطل. وهذا وإن لم يكن مجاناً فالنفوس متعلقة به، لإعطائه ضرورة من غير سعة في العذر فهو كالمكره. وما عدا الأقوات والمأكولات من المبيعمات لا إضطراراً للناس إليها، وإنما يبعثهم عليها التفنن في الشهوات، فلا يبذلون أموالهم فيها إلا باختيار وحرص. ولا يبقى لهم تعلق بما أعطوه. فلهذا يكون من عرف بالاحتكار، تجتمع القوى النفسانية على متابعته، لما يأخذه من أموالهم، فيفسد ربحه. والله تعالى أعلم.

وسمعت فيما يناسب هذا، حكاية ظريفة عن بعض مشيخة المغرب. أخبرني شيخنا أبو عبد الله الآبلي قال: حضرت عند القاضي بفاس لعهد السلطان أبي سعيد، وهو الفقيه أبو الحسن المليلي، وقد عرض عليه أن يختار بعض الألقاب المخزنية لجرايته قال، فأطرق ملياً، ثم قال لهم: من مكس الخمر. فاستضحك الحاضرون من أصحابه وعجبوا، وسألوه عن حكمة ذلك. فقال: إذا كانت الجبايات كلها حراماً، فأختار منها ما لا تتابعه نفس معطيه. والخمر قل أن يبذل فيها أحد ماله، إلا وهو طرب مسرور بوجدانه، غير أسف عليه، ولا متعلقة به نفسه. وهذه ملاحظة غريبة. والله سبحانه وتعالى يعلم ما تكن الصدور.

الفصل الرابع عشر

في أن رخص الأسعار مضر

بالمحترفين بالرخيص وذلك أن الكسب والمعاش، كما قدمناه، إنما هو بالصنائع أو التجارة. والتجارة هي شراء البضائع والسلع وادخارها. يتحين بها حوالة الأسواق بالزيادة في أثمانها، ويسمى ربحاً. ويحصل منه الكسب والمعاش للمحترفين بالتجارة دائماً. فإذا استديم الرخص في سلعة، أو عرض من مأكول أو ملبوس أو متمول على الجملة، ولم يحصل للتاجرحوالة الأسواق فيه فسد الربح والنماء بطول تلك المدة، وكسدت سوق ذلك الصنف، ولم يحصل التاجر إلا على العناد، فقعد التجارعن السعي فيها وفسدت رؤوس أموالهم.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account