واعتبر ذلك أولاً بالزرع، فإنه إذا استديم رخصه كيف تفسد أحوال المحترفين به، بسائر أطواره، من الفلح والزراعة لقلة الربح فيه، ونزارته أو فقده. فيفقدون النماء في أموالهم أو يجدونه على قلة، ويعودون بالإنفاق على رؤوس أموالهم، وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضاً بالطحن والخبز، وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرف من لدن زراعته إلى صيرورته مأكولاً.
وكذا يفسد حال الجند، إذا كانت أرزاقهم من السلطان عند أهل الفلح زرعاً، فإنها تقل جبايتهم من ذلك، ويعجزون عن إقامة الجندية التي هم بسببها ويرتزقون من السلطان عليها، ويقطع عنهم الرزق، فتفسد أحوالهم. وكذا إذا استديم الرخص في العسل والسكر، فسد جميع ما يتعلق به، وقعد المحترفون به عن التجارة فيه. وكذا حال الملبوسات إذا استديم فيها الرخص أيضاً. فإذا الرخص المفرط مجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف الرخيص، وكذا الغلاء المفرط أيضاً. وربما يكون في النادر سبباً لنماء المال بسبب احتكاره وعظم فائدته. وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك وسرعة حوالة الأسواق، وعلم ذلك يرجع إلى العوائد المتقررة بين أهل العمران. وإنما يحمد الرخص في الزرع من بين المبيعات لعموم الحاجة إليه، واضطرار الناس إلى الأقوات من بين الغني والفقير. والعالة من الخلق هم الأكثر في العمران، فيعم، الرفق بذلك، ويرجح جانب القوت على جانب التجارة في هذا الصنف الخاص. و " الله هو الرزاق ذو القوة المتين " . والله سبحانه وتعالى رب العرش العظيم.
الفصل الخامس عشر
في أن خلق التجار نازلة عن خلق الرؤساء
وبعيدة من المروءة قد قدمنا في الفصل قبله أن التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والأرباح، ولا بد في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللجاج، وهي عوارض هذه الحرفة. وهذه الأوصاف تغض من الذكاء والمروءة وتخدج فيها، لأن الأفعال لا بد من عود آثارها على النفس. فأفعال الخير تعود بآثار الخير والذكاء، وأفعال الشر والسفسفة تعود بضد ذلك، فتتمكن وترسخ إن سبقت وتكررت. وتنقص خلال الخير إن تأخرت عنها، بما ينطبع من آثارها المذمومة في النفس، شأن الملكات الناشئة عن الأفعال. وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف التجار في أطوارهم. فمن كان منهم سافل الطور، مخالفاً لشرار الباعة، أهل الغش والخلابة والخديعة والفجور في الأيمان على البياعات والأثمان إقراراً وإنكاراً، كانت رداءة تلك الخلق عنده أشد، وغلبت عليه السفسفة، وبعد عن المروءة واكتسابها بالجملة. وإلا فلا بد له من تأثير المكايسة والمماحكة في مروءته. وفقدان ذلك فيهم في الجملة. ووجود الصنف الثاني منهم، الذي قدمناه في الفصل قبله أنهم يدرعون بالجاه، ويعوض لهم من مباشرة ذلك، فيهم نادر وأقل من النادر. وذلك أن يكون المال قد توفر عنده دفعة بنوع غريب، أو ورثه عن أحد من أهل بيته، فحصلت له ثروة تعينه على الاتصال بأهل الدولة، وتكسبه ظهوراً وشهرة بين أهل عصره، فيترفع عن مباشرة ذلك بنفسه، ويدفعه إلى من يقوم له به من ولائه وحشمه. ويسهل له الحكام النصفة في حقوقهم بما يؤنسونه من بره وإتحافه، فيبعدونه عن تلك الخلق بالبعد عن معاناة الأفعال المقتضية لها كما مر. فتكون مروءتهم أرسخ وأبعد عن المحرجات، إلا ما يسري من آثار تلك الأفعال من وراء الحجاب، فإنهم يضطرون إلى مشارفة أحوال أولئك الوكلاء ووفاقهم، أو خلافهم فيما يأتون أو يذرون من ذلك، إلا أنه قليل، ولا يكاد يظهر أثره. " والله خلقكم وما تعملون " .
الفصل السادس عشر
في أن الصنائع لا بد لها من العلم