The Muqaddimah

الفصل الثلاثون
Read with the dictionary

تفصيلها تعالج وتدبروهي التي تخرج من القوة إلى الفعل ، والتي لا يمكن تفصيلها لا تعالج ولا تدبر لأنها فيها بالقوة فقط، وإنما لم يمكن تفصيلها لاستغراق بعض طبائعها في بعض، وفضل قوة الكبير منها على الصغير. فينبغي لك - وفقك الله - أن تعرف أوفق الاحجار المنفصلة التي يمكن فيها العمل وجنسه وقوته وعمله وما يدبرمن الحل والعقد والتنقية والتكليس والتنشيف والتقليب، فإن من لم يعرف هذه الاصول التي هي عماد هذه الصنعة، لم ينجح ولم يظفر بخيرأبداً.

وينبغي لك أن تعلم هل يمكن أن يستعان عليه بغيره أويكتفي به وحده وهل هو واحدٌ في الابتداء أو شاركه غيره فصار في التدبير واحداً فسمي حجرأ. وينبغي لك أن تعلم كيفية عمله وكمية أوزانه وأزمانه وكيف تركيب الروح فيه وإدخال النفس عليه، وهل تقدر النارعلى تفصيلها منه بعد تركيبها. فإن لم تقدرفلآي علة وما السبب الموجب لذلك، فإن هذا هو المطلوب فافهم.

واعلم أن الفلاسفة كلها مدحت النفس وزعمت انها المدبرة للجسد والحاملة له والدافعة عنه والفاعلة فيه. وذلك أن الجسد إذا خرجت النفس منه مات وبرد فلم يقدرعلى الحركة والامتناع من غيره، لأنه لا حياة فيه ولا نور. وإنما ذكرت الجسد والنفس، لأن هذه الصفات شبيهة بجسد الإنسان الذي تركيبه على الغداء والعشاء، وقوامه وتمامه بالنفس الحية النورانية، التي بها يفعل العظائم والأشياء المتقابلة التي لا يقدر عليها غيرها بالقوة الحية التي فيها. وإنما انفعل الإنسان لاختلاف تركيب طبائعه، ولو اتفقت طبائعه لسلمت من الأعراض والتضاد، ولم تقدر النفس على الخروج من بدنه، ولكان خالدا باقيا. فسبحان مدبر الأشياء تعالى.

واعلم أن الطبائع التي يحدث عنها هذا العمل كيفية دافعة في الابتداء، فيضية، محتاجة إلى الانتهاء. وليس لها إذا صارت في هذا الحد أن تستحيل إلى ما منه تركبت كما قلناه آنفا في الإنسان، لأن طبائع هذا الجوهر قد لزم بعضها بعضاً، وصارت شيئاً واحداً، شبيها بالنفس في قوتها وفعلها، وبالجسد في تركيبه ومجسته، بعد أن كانت طبائع مفردة بأعيانها. فيا عجباً من أفاعيل الطبائع، أن القوة للضعيف الذي يقوى على تفصيل الأشياء وتركيبها وتمامها، فلذلك قلت: قويٌ وضعيف. وإنما وقع التغييروالفناء في التركيب الأول للاختلاف، وعدم ذلك في الثاني للاتفاق.

وقد قال بعض الأولين: التفصيل والتقطيع في هذا العمل حياة وبقاء، والتركيب موتٌ وفناءٌ. وهذا الكلام دقيق المعنى لأن الحكيم أراد بقوله: حياة وبقاء خروجه من العدم إلى الوجود،لآنه ما دام على تركيبه الأول، فهو فان لا محالة، فإذا ركب التركيب الثاني عدم الفناء. والتركيب الثاني لا يكون إلا بعد التفصيل والتقطيع. فإذا التفصيل والتقطيع في هذ العمل خاصة. فإذا بقي الجسد المحلول انبسط فيه لعدم الصورة، لأنه قد صار في الجسد بمنزلة النفس التي لا صورة لها، وذلك أنة لا وزن له فيه. وسترى ذلك إن شاء الله تعالى.

وقد ينبغي لك أن تعلم أن اختلاط اللطيف باللطيف أهون من اختلاط الغليظ بالغليظ، وإنما أريد بذلك التشاكل في الأرواح والأجساد، لأن الأشياء تتصل بأشكالها. وذكرت لك ذلك لتعلم أن العمل أوفق وأيسر من الطبائع اللطائف الروحانية منها من الغليظة الجسمانية. وقد يتصور في العقل أن الآحجار أقوى وأصبر على النار من الآرواح ، كما ترى أن الذهب والحديد والنحاس أصبر على النار من الكبريت والزئبق وغيرهما من الارواح. فأقول إن الأجساد قد كانت أرواحا في بدنها، فلما أصابها حر الكيان قلبها أجساداً لزجة غليظة، فلم تقدر النار على أكلها لإفراط غلظها وتلزجها. فإذا أفرطت النار عليها، صيرتها أرواحأ، كما كانت أول خلقها. وإن تلك الأرواح اللطيفة، إذا اصابتها النار أبقت ولم تقدر على البقاء عليها، فينبغي لك أن تعلم ما صير الأجساد في هذه الحالة، وصير الآرواح في هذا الحال، فهو أجل ما تعرفه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account