The Muqaddimah

الفصل الثلاثون
Read with the dictionary

أقول إنما أبقت تلك الأرواح لاشتعالها ولطافتها. وإنما اشتعلت لكثرة رطوبتها،ولآن النار إذا أحست بالرطوبة تعلقت بها لأنها هوائية تشاكل النار، ولا تزال تغتذي بها إلى أن تفنى. وكذلك الآجساد إذا أحست بوصول النار إليها لقلة تلزجها وغلظها. وإنما صارت تلك الأجساد لا تشتعل لأنها مركبة من أرض وماء صابر على النار، فلطيفه متحد بكثيفه لطول الطبخ اللين المازج للأشياء. وذلك أن كل متلاش إنما يتلاشى بالنار لمفارقة لطيفه من كثيفه، ودخول بعضه في بعض على غير التحليل والموافقة، فصار ذلك الانضمام والتداخل مجاورةً لا ممازجةً، فسهل بذلك افتراقهما، كالماء والدهن وما أشبههما. وإنما وصفت ذلك لتستدل به على تركيب الطبائع وتقابلها. فإذا علمت ذلك علما شافيا فقد أخذت حظك منها.

وينبغي لك أن تعلم أن الأخلاط، التي هي طبائع هذه الصناعة، موافقة بعضها لبعض، مفصلة من جوهر واحد، يجمعها نظام واحد بتدبير واحد، لا يدخل عليه غريب في الجزء منه، ولا في الكل، كما قال الفيلسوف: إنك إذا أحكمت تدبير الطبائع وتأليفها ولم تدخل عليها غريبا، فقد أحكمت ما أردت إحكامه وقوامه، إذ الطبيعة واحدة لا غريب فيها، فمن أدخل عليها غريبأ فقد زاغ عنها ووقع في الخطإ.

واعلم أن هذه الطبيعة، إذا حل بها جسد من قرائنها، على ما ينبغي في الحل،حتى يشاكلها في الرقة واللطافة، انبسطت فيه وجرت معه حيثما جرى ، لأن الأجساد ما دامت غليظة جافية لا تنبسط ولا تتزاوج، وحل الأجساد لا يكون بغير الآرواح. فافهم هداك الله هذا القول.

واعلم هداك الله ان هذا الحل في جسد الحيوان هو الحق الذي لا يضمحل ولا ينتقض، وهو الذي يقلب الطبائع ويمسكها، ويظهر لها ألوانأ وأزهارا عجيبة. وليس كل جسد يحل خلاف هذا، هو الحل التام لأنه مخالف للحياة، وإنما حله بما يوافقه ويدفع عنه حرق النار، حتى يزول عن الغلظ، وتنقلب الطبائع عن حالاتها إلى ما لها أن تنقلب من اللطافة والغلظ. فإذا بلغت الأجساد نهايتها من التحليل والتلطيف، ظهرت لها هنالك قوة تمسك وتغوص وتقلب وتنفذ. وكل عمل لا يرى له مصداق فى أوله، فلا خيرفيه. واعلم أن البارد من الطبائع هو ييبس الأشياء ويعقد رطوبتها، والحار منها يظهر رطوبتها ويعقد يبسها، وإنما أفردت الحر والبرد لآنهما فاعلان، والرطوبة واليبس منفعلان، وعلى انفعال كل واحد منهما لصاحبه تحدث الآجسام وتتكون، وإن كان الحر أكثر فعلاً في ذلك من البرد، لأن البرد ليس له نقل الآشياء ولا تحركها، والحر هو علة الحركة. ومتى ضعفت علة الكون، وهو الحرارة، لم يتم منها شيء أبداً كما أنه إذا أفرطت الحرارة على شيء ولم يكن ثم بردٌ أحرقته وأهلكته. فمن أجل هذه العلة احتيج إلى البارد في هذه الأعمال، ليقوى به كل ضد على ضده ويدفع عنه حر النار. ولم يحذر الفلاسفة أكثر شيء إلا من النيران المحرقة. وأمرت بتطهير الطبائع والأنفاس وإخراج دنسها ورطوبتها ونفى آفاتها وأوساخها عنها، وعلى ذلك استقام رأيهم وتدبيرهم، فإنما عملهم إنما هو مع النار أولاً، وإليها يصير آخراً، فلذلك قالوا: إياكم ! والنيران المحرقات، وإنما أرادوا بذلك نفي الآفات التي معها، فتجمع على الجسد آفتين، فتكون أسرع لهلاكه. وكذلك كل شىء إنما يتلاشى ويفسد من ذاته لتضاد طبائعه واخلافه، فيتوسط بين شيئين، فلم يجد ما يقويه ويعينه إلا قهرته الآفة وأهلكته. واعلم أن الحكماء كلها ذكرت ترداد الأرواح على الأجساد مرارا ليكون ألزم إليها وأقوى على قتال النار إذا هي باشرتها عند الألفة،أعني بذلك النار العنصرية، فاعلمه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account