The Muqaddimah

الفصل الثلاثون
Read with the dictionary

ولنقل الآن على الحجر الذي يمكن منه العمل على ما ذكرته الفلاسفة، فقد اختلفوا فيه. فمنهم من زعم أنه في الحيوان ، ومنهم من زعم أنه في النبات، ومنهم من زعم أنه في المعادن، ومنهم من زعم أنه في الجميع. وهذه الدعاوى ليست بنا حاجة إلى استقصائها ومناظرة أهلها عليها، لأن الكلام يطول جدا. وقد قلت فيما تقدم: إن العمل يكون في كل شيء بالقوة لأن الطبائع موجودة في كل شيء فهوكذلك، فنريد أن تعلم من أي شي يكون العمل بالقوة والفعل، فنقصد إلى ما قاله الحراني، إن الصبغ كله احد صبغين: إما صبغ جسد، كالزعفران في الثوب الأبيض حتى يحول فيه، وهو مضمحل منتقض التركيب، والصبغ الثاني تقليب الجوهرمن جوهر نفسه إلى جوهر غيره ولونه، كتقليب الشجر بل التراب إلى نفسه، وقلب الحيوان والنبات إلى نفسه حتى يصير التراب نباتأ والنبات حيوانا، ولا يكون إلا بالروح الحي والكيان الفاعل، الذي له توليد الأجرام وقلب الأعيان. فإذا كان هذا هكذا، فنقول: إن العمل لا بد أن يكون إما في الحيوان وإما في النبات، وبرهان ذلك أنهما مطبوعان على الغذاء وبه قوامهما وتمامهما. فأما النبات فليس فيه ما في الحيوان من اللطافة والقوة، ولذلك قل خوض الحكماء فيه. وأما الحيوان فهو آخر الاستحالات الثلاث ونهايتها، وذلك أن المعدن يستحيل نباتاً، والنبات يستحيل حيواناً، والحيوان لا يستحيل إلى شيء هو ألطف منه، إلا أن ينعكس راجعاً إلى الغلظ، وأنه أيضاً لا يوجد في العالم شيء تتعلق به الروح الحية غيره، والروح ألطف ما في العالم، ولم تتعلق الروح بالحيوان إلا بمشاكلته إياها. فأما الروح التي في النبات فإنها يسيرة فيها غلظ وكثافة، وهي مع ذلك مستغرقة كامنة فيه لغلظها وغلظ جسد النبات، فلم يقدر على الحركة لغلظه وغلظ روحه. والروح المتحركة ألطف من الروح الكامنة كثيراً، وذلك أن المتحركة لها قبول الغذاء والتنقل والتنفس، وليس للكامنة غيرقبول الغذاء وحده. ولا تجري إذا قيست بالروح الحية إلا كالأرض عند الماء. كذلك النبات عند الحيوان، فالعمل في الحيوان أعلى وأرفع وأهون وأيسر. فينبغي للعاقل إذا عرف ذلك أن يجرب ما كان سهلا ويترك ما يخشى فيه عسراً.

واعلم أن الحيوان عند الحكماء ينقسم أقساماً من الآمهات التي هي الطبائع، والحديثة التي هي المواليد، وهذا معروث متيسر الفهم. فلذلك قسمت الحكماء العناصر والمواليد أقساماً حيةً وأقساماً ميتةً، فجعلوا كل متحرك فاعلًا حياً، وكل ساكن مفعولاً ميتاً. وقسموا ذلك في جميع الأشياء وفي الأجساد الذائبة وفي العقاقير المعدنية، فسموا كل شيء يذوب في النارويطير ويشتعل حياً، وما كان على خلاف ذلك سموه ميتا. فأما الحيوان والنبات فسموا كل ما انفصل منها طبائع أربعاً حياً، وما لم ينفصل سموه ميتاً، ثم إنهم طلبوا جميع الأقسام الحية.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account