فلم يجدوا لوفق هذه الصناعة مما ينفصل فصولًا أربعةً ظاهرةً للعيان، ولم يجدوا غير الحجر الذي في الحيوان ، فبحثوا عن جنسه حتى عرفوه وأخذوه ودبروه، فتكيف لهم منه الذي أرادوا. وقد يتكيف مثل هذا في المعادن والنبات بعد جمع العقاقير وخلطها، ثم تفصل بعد ذلك. فأما النبات، فمنه ما ينفصل ببعض هذه الفصول مثل الآشنان، وأما المعادن ففيها أجساد وأرواح وأنفاس، إذا مزجت ودبرت، كان منها ما له تأثير. وقد دبرنا كل ذلك، فكان الحيوان منها أعلى وأرفع وتدبيره أسهل وأيسر. فينبغي لك أن تعلم ما هو الحجر الموجود في الحيوان، وطريق وجوده. إنا بينا أن الحيوان أرفع المواليد، وكذا ما تركب منه فهو ألطف منه، كالنبات من الأرض. وإنما كان النبات ألطف من الآرض، لأنه إنما يكون من جوهره الصافي وجسمه اللطيف، فوجب له بذلك اللطافة والرقة. وكذا هذا الحجر الحيواني بمنزلة النبات في التراب. وبالجملة فإنه ليس في الحيوان شيء ينفصل طبائع أربعاً غيره. فافهم هذا القول فإنه لا يكاد يخفى، إلا على جاهل بين الجهالة ومن لا عقل له. فقد أخبرتك ماهية هذا الحجر وأعلمتك وأنا أبين لك وجوه تدابيره، حتى يكمل الذي شرطناه على أنفسنا من الإنصاف، إن شاء الله سبحانه. التدبير على بركة الله: خذ الحجر الكريم، فأودعه القرعة والإنبيق، وفصل طبائعه الأربع التي هي النار والهواء والأرض والماء، وهي الجسد والروح والنفس والصبغ. فإذا عزلت الماء عن التراب، والهواء عن النار، فارفع كل واحد في إنائه على حدة، وخذ الهابط أسفل الإناء، وهو الثفل فاغسله بالنار الحارة، حتى تذهب النار عنه سواده ويزول غلظه وجفاؤه، وبيضه تبييضاً محكماً وطير عنه فضول الرطوبات المستجنة فيه، فإنه يصير عند ذلك ماء أبيض لا ظلمة فيه ولا وسخ ولا تضاد. ثم اعمد إلى تلك الطبائع الاول الصاعدة منه، فطهرها أيضاً من السواد والتضاد، وكرر عليها الغسل والتصعيد حتى تلطف وترق وتصفو. فإذا فعلت ذلك فقد فتح الله عليك، فابدأ بالتركيب الذي عليه مدار العمل. وذلك أن التركيب لا يكون إلا بالتزويج والتعفين: فأما التزويج، فهو اختلاط اللطيف بالغليظ، وأما التعفين فهو التمشية والسحق، حتى يختلط بعضه ويصير شيئاً واحداً لا اختلاف فيه ولا نقصان بمنزلة الامتزاج بالماء. فعند ذلك يقوى الغليظ على إمساك اللطيف، وتقوى الروح على مقابلة النار وتصبر عليها، وتقوى النفس على الغوص في الأجساد والدبيب فيها. وإنما وجد ذلك بعد التركيب لأن الجسد المحلول لما ازدوج بالروح مازجه بجميع أجزائه، ودخل بعضها في بعض لتشاكلها فصار شيئاً واحداً ووجب من ذلك أن يعرض للروح من الصلاح والفساد والبقاء والثبوت، ما يعرض للجسد لموضع الامتزاج.
The Muqaddimah
الفصل الثلاثونHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.