مثال ذلك، أن المركب إذا تم وكمل، كان نسبة ما فيه من طبيعة الهواء، إلى ما في البيضة من طبيعة الهواء، كنسبة ما في المركب من طبيعة النار إلى ما في البيضة من طبيعة النار، وكذلك الطبيعتان الآخريان: الأرض والماء، فأقول: إن كل شيئين متناسبين على هذه الصفة فهما متشابهان. ومثال ذلك أن تجعل لسطح البيضة هزوح، فإذا أردنا ذلك فإنا نأخد أقل طبائع المركب، وهي طبيعة اليبوسة، ونضيف إليها مثلها من طبيعة الرطوبة وندبرهما حتى تنشف طبيعة اليبوسة طبيعة الرطوبة، وتقبل قوتها. وكأن في هذا الكلام رمزاً ولكنه لا يخفى عليك. ثم تحمل عليهما جميعاً مثليهما من الروح وهو الماء، فيكون الجميع ستة أمثال ثم تحمل على الجميع بعد التدبير مثلاً من طبيعة الهواء التي هي النفس، وذلك ثلاثة أجزاء، فيكون الجميع تسعة أمثال اليبوسة بالقوة. وتجعل تحت كل ضلعين من المركب الذي طبيعته محيطة بسطح المركب طبيعتين، فتجعل أولاً الضلعين المحيطين بسطحه طبيعة الماء وطبعة الهواء، وهما ضلعا " ا ح د " ، وسطح أبجد وكذلك الضلعان المحيطان بسطح البيضة اللذان هما الماء والهواء ضلعا هزوح، فأقول: إن سطح أبجد يشبه سطح هزوح طبيعة الهواء التي تسمى نفساً، وكذلك " بج " من سطح المركب. والحكماء لم تسم شيئاً باسم شيء إلا لشبهه به. والكلمات التي سألت عن شرحها الأرض المقدسة، وهي المنعقدة من الطبائع العلوية والسفلية. والنحاس هو الذي أخرج سواده وقطع حتى صار هباء، ثم حمر بالزاج حتى صار نحاسياً، والمغنيسيا حجرهم الذي تجمد فيه الأرواح. وتخرجه الطبيعة العلوية التي تستجن فيها الأرواح لتقابل عليها النار، والفرفرة لون أحمر فإن يحدثه الكيان. والرصاص حجر، ثلاث قوى مختلفة الشخوض ولكنها متشاكلة ومتجانسة. فالواحدة روحانية نيرة صافية وهي الفاعلة، والثانية نفسانية وهي متحركة حساسة، غير أنها أغلظ من الأولى ومركزها دون مركز الأولى، والثالثة قوة أرضية حاسة قابضة منعكسة إلى مركز الأرض لثقلها، وهي الماسكة الروحانية والنفسانية جميعاً والمحيطة بهما. وأما سائر الباقية فمبتدعة ومخترعة، إلباساً على الجاهل، ومن عرف المقدمات استغنى، عن غيرها. فهذا جميع ما سألتني عنه وقد بعثت به إليك مفسراً ونرجو بتوفيق الله أن تبلغ أملك والسلام.
انتهى كلام ابن بشرون، وهو من كبار تلاميذ مسلمة المجريطي شيخ الأندلس في علوم الكيميا والسيمياء والسحر في القرن الثالث وما بعده.
وانت ترى كيف صرف ألفاظهم كلها في الصناعة إلى الرمز والألغاز التي لا تكاد تبين ولا تعرف، وذلك دليل على أنها ليست بصناعة طبيعية. والذي يجب أن يعتقد في أمر الكيمياء، وهو الحق الذي يعضده الواقع، أنها من جنس آثار النفوس الروحانية، وتصرفها في عالم الطبيعة: إما من نوع الكرامة، إن كانت النفوس خيرة، أو من نوع السحر، إن كانت النفوس شريرة فاجرة. فأما الكرامة فظاهرة، وأما السحر، فلأن الساحر، كما ثبت في مكان تحقيقه، يقلب الأعيان المادية بقوته السحرية. ولا بد له مع ذلك عندهم من مادة يقع فعله السحري فيها، كتخليق بعض الحيوانات من مادة التراب أو الشجر والنبات، وبالجملة من غير مادتها المخصوصة بها، كما وقع لسحرة فرعون في الحبال والعصي، وكما ينقل عن سحرة السودان والهنود في قاصية الجنوب، والترك في قاصية الشمال، أنهم يسحرون الجو للأمطار وغير ذلك.
ولما كانت هذه تخليقاً للذهب في غير مادته الخاصة به، كان من قبيل السحر، والمتكلمون فيه من أعلام الحكماء مثل جابر ومسلمة. ومن كان قبلهم من حكماء الأمم، إنما نحوا هذا المنحى، ولهذا كان كلامهم فيه ألغازاً حذراً عليها من إنكار الشرائع على السحر وأنواعه، لا أن ذلك يرجع إلى الصنانة بها، كما هو رأي من لم يذهب إلى التحقيق في ذلك. وانظر كيف سمى مسلمة كتابه فيها رتبة الحكيم، وسمى كتابه في السحر والطلسمات غاية الحكيم، إشارة إلى عموم موضوع الغاية وخصوص موضوع هذه، لأن الغاية أعلى من الرتبة، فكان مسائل الرتبة بعض من مسائل الغاية وتشاركها في الموضوعات. ومن كلامه في الفنين يتبين ما قلناه، ونحن نبين فيما بعد غلط من يزعم أن مدارك هذا الأمر بالصناعة الطبيعية. والله العليم الخبير.
الفصل الحادي والثلاثون
في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها