هذا الفصل ومابعده مهم، لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن. وضررها في الدين كثير، فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها. وذلك أن قوماً من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وماوراء الحسي، تدرك ذواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية، وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع، فإنها بعض من مدارك العقل. وهؤلاء يسمون فلاسفة، جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه، ووضعوا قانوناً يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل، وسموه بالمنطق. ومحصل ذلك أن النظر الذي يفيد تمييز الحق من الباطل، إنما هو للذهن في المعاني المنتزعة من الموجودات الشخصية فيجرد منها أولاً صوراً منطبقة على جميع الأشخاص، كما ينطبق الطابع على جميع النقوش التي ترسمها في طين أو شمع. وهذه المجردة من المحسوسات تسمى المعقولات الأوائل. ثم تجرد من تلك المعاني الكلية إذا كانت مشتركة مع معان أخرى، وقد تميزت عنها في الذهن، فتجرد منها معان أخرى وهي التي اشتركت بها، ثم تجرد ثانياً، إن شاركها غيرها، وثالثاً، إلى أن ينتهي التجريد إلى المعاني البسيطة الكلية، المنطبقة على جميع المعاني والأشخاص، ولا يكون منها تجريد بعد هذا، وهي الأجناس العالية.
وهذه المجردات كلها من غير المحسوسات هي من حيث تأليف بعضها مع بعض لتحصيل العلوم منها تسمى المعقولات الثواني. فإذا نظر الفكر في هذه المعقولات المجردة، وطلب تصور الوجود كما هو، فلا بد للذهن من إضافة بعضها إلى بعض، ونفي بعضها عن بعض بالبرهان العقلي اليقيني، ليحصل تصور الوجود تصوراً صحيحاً مطابقاً إذا كان ذلك بقانون صحيح كما مر. وصنف التصديق الذي هو تلك الإضافة والحكم متقدم عندهم على صنف التصور في النهاية، والتصور متقدم عليه في البداية والتعليم، لأن التصور التام عندهم هو غاية الطلب الإدراكي، وإنما التصديق وسيلة له، وما تسمعه في كتب المنطقيين من تقدم التصور وتوقف التصديق عليه، فبمعنى الشعور لا بمعنى العلم التام، وهذا هو مذهب كبيرهم أرسطو. ثم يزعمون أن السعادة في إدراك الموجودات كلها ما في الحس وما وراء الحس بهذا النظر وتلك البراهين. وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة وما آلت إليه، وهو الذي فرعوا عليه قضايا أنظارهم، أنهم عثروا أولاً: على الجسم السفلي بحكم الشهود والحس، ثم ترقى إدراكهم قليلاً فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس بالحيوانات، ثم أحسوا من قوى النفس بسلطان العقل. ووقف إدراكهم فقضوا على الجسم العالي السماوي بنحو من القضاء على أمر الذات الإنسانية. ووجب عندهم أن يكون للفلك نفس وعقل كما للإنسان، ثم أنهوا ذلك نهاية عدد الآحاد وهي العشر، تسع مفصلة ذواتها جمل وواحد أول مفرد وهو العاشر. ويزعمون أن السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس، وتخلقها بالفضائل، وأن ذلك ممكن للإنسان، ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الأفعال بمقتضى عقله ونظره، وميله إلى المحمود منها، واجتنابه للمذموم بفطرته، وأن ذلك إذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة، وأن الجهل بذلك هو الشقاء السرمدي، وهذا عندهم هو معنى النعيم والعذاب في الآخرة إلى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف من كلماتهم.
وإمام هذه المذاهب، الذي حصل مسائلها ودون علمها وسطر حجاجها، فيما بلغنا في هذه الأحقاب، هو أرسطو المقدوني من أهل مقدونية من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون، وهو معلم الإسكندر ويسمونه: المعلم الأول على الإطلاق، يعنون معلم صناعة المنطق، إذ لم تكن قبله مهذبة. وهو أول من رتب قانونها واستوفى مسائلها وأحسن بسطها. ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء، لو تكفل له بقصدهم في الإلهيات.