The Muqaddimah

في صناعة الشعر ووجه تعلمه
Read with the dictionary

قالوا: وخير الأوقات لذلك أوقات البكر عند الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر، وفي هواء الجمام. وربما قالوا إن من بواعثه العشق والانتشاء، ذكر ذلك ابن رشيق في كتاب العمدة، وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله. قلوا: فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر، ولايكره نفسه عليه. وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغه ونسجه يضعها، ويبني الكلام عليها إلى آخره، لأنه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها. فربما تجيء نافرة قلقة، وإذا سمح الخاطر بالبيت، ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الأليق به، فإن كل بيت مستقل بنفسه، ولم تبق إلا المناسبة قليتخير فيها ما يشاء، وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد، ولا يضن به على الترك إذا لم يبلغ الإجادة. فإن الإنسان مفتون بشعره، إذ هو نبات فكره واختراع قريحته، ولا يستعمل فيه من الكلام إلا الأفصح من التراكيب. والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها، فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة.

وقد حظر أئمة اللسان على المولد ارتكاب الضرورة، إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة. ويجتنب أيضاً المعقد من التراكيب جهده. وإنما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد فإن فيه نوع تعقيد على الفهم. وإنما المختار منه ما كانت ألفاظة طبقاً على معانيه أو أوفى منها. فإن كانت المعاني كثيرة كان حشواً، واشتغل الذهن بالغوص عليها، فمنع الذوق عن استيفاء مدركه من البلاغة. ولا يكون الشعر سهلاً إلا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذهن. ولهذا كان شيوخنا رحمهم اللة يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة، شاعر شرق الأندلس، لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد، كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعده النسج على الأساليب العربية كما مر، فكان شعرهما كلاماً منظوماً نازلاً عن طبقة الشعر، والحاكم بذلك هو الذوق. وليجتنب الشاعر أيضاً الحوشي من الألفاظ والمقعر، وكذلك السوقي المبتذل بالتداول بالاستعمال، فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة. وكذلك المعاني المبتذلة بالشهرة فإن الكلام ينزل بها عن البلاغة أيضاً، فيصير مبتذلاً ويقرب من عدم الإفادة كقولهم: النار حارة والسماء فوقنا. وبمقدار ما يقرب من طبقة عدم الإفادة يبعد عن رتبة البلاغة، إذ هما طرفان. ولهذا كان الشعر في الربانيات والنبويات قليل الإجادة في الغالب، ولا يحذق فيه إلا الفحول. وفي القليل، على العسر، لأن معانيها متداولة بين الجمهور، فتصير مبتذلة لذلك. وإذا تعذر الشعر بعد هذا كله فليراوضه ويعاوده، فإن القريحة مثل الضرع يدر بالامتراء ويجف ويغرر بالترك والإهمال. وبالجملة فهذه الصناعة وتعلمها مستوفى فى كتاب العمدة لابن رشيق، وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد. ومن أراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيه لبغية من ذلك. وهذه نبذة كافية والله المعين. وقد نظم الناس في أمر هذه الصناعة الشعرية ما يجب فيها. ومن أحسن ما قيل في ذلك وأظنه لابن رشيق:

لعن اللة صنعة الشعر ماذا ... من صنوف الجهال فيها لقينا

يؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلاً للسامعين مبينا

ويرون المحال معنى صحيحاً ... وخسيس الكلام شيئاً ثميناً

يجهلون الصواب منه ولايد ... رون للجهل أنهم يجهلونا

فهم عند من سوانا يلامو ... ن وفي الحق عندنا يعذرونا

إنما الشعر ما يناسب في النظ ... م وإن كان في الصفات فنونا

فأتى بعضه يشاكل بعضاً ... وأقامت له الصدور المتونا

كل معنى أتاك منه على ما ... تتمنى لو لم يكن أو يكونا

فتناهى من البيان إلى أن ... كاد حسناً يبين للناظرينا

فكأن الألفاظ منه وجوه ... والمعاني ركبن فيه عيونا

قائماً في المرام حسب الأماني ... يتحلى بحسنه المنشدونا

فإذا ما مدحت بالشعر حراً ... رمت فيه مذاهب المشتهينا

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account