The Muqaddimah

الفصل السابع والخمسون
Read with the dictionary

فجعلت النسيب سهلاً قريباً ... وجعلت المديح صدقاً مبينا

وتنكبت ماتهجن في السمع ... وإن كان لفظه موزونا

وإذا ما قرضته بهجاء ... عبت فيه مذاهب المرقبينا

فجعلت التصريح منه دواء ... وجعلت التعريض داء دفينا

وإذا ما بكيت فيه على الغا ... دين يوماً للبين والظاعنينا

حلت دون الأسى وذللت ما كا ... ن من الدمع في العيون مصونا

ثم إن كنت عاتباً جئت بالوعد ... وعيداً وبالصعوبة لينا

فتركت الذي عتبت عليه ... حذراً، آمناً، عزيزاً، مهينا

وأصح القريض ما فات في النظم ... وإن كان واضحاً مستبينا

فإذا قيل أطمع الناس طراً ... وإذا ريم أعجز المعجزينا

ومن ذلك أيضاً قول بعضهم وهو الناشي:

الشعرما قومت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أس متونه

ورأيت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه

وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمه ومعينه

وعمدت منه سحد أمر يقتضى ... شبهاً به فقرينه بقرينه

وإذا مدحت به جواداً ماجداً ... وقضيته بالشكر حق ديونه

أصفيته بنفيسه ورصينه ... وخصصته بخطيره وثمينه

فيكون جزلاً في مساق صنوفه ... ويكون سهلاً في اتفاق فنونه

وإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شئونه

وإذا أردت كناية عن ريبة ... باينت بين ظهوره وبطونه

فجعلت سامعة يشوب شكوكه ... بثنائه وظنونه بيقينه

وإذا عتبت على أخ في زلة ... أدمجت شدته له في لينه

فتركته مستأنساً بدماثة ... مستأمناً لوعوثه وحزوبه

وإذا نبذت إلى الذي علقتها ... إذ صارمتك بفاتنات شؤونه

تيمتها بلطيفه ورقيقه ... وشغفتها بخبيه وكمينه

وإذا اعتذرت لسقطة أسقطتها ... وأشكت بين مخيله ومبينه

فيحول ذنبك عندمن يعتده ... عتباًعليه مطالباً بيمينه

الفصل السادس والخمسون

في أن صناعة النظم والنثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني اعلم أن صناعة الكلام نظماً ونثراً إنما هي في الألفاظ لا في المعاني، وإنما المعاني تبع لها وهي أصل. فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم والنثر، إنما يحاولها في الألفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب، ليكثر استعماله وجرية على لسانه، حتى تستقر له الملكة في لسان مضر، ويتخلص من العجمة التي ربي عليها في جيله، ويفرض نفسه، مثل وليد ينشأ في جيل العرب ويلقن لغتهم كما يلقنها الصبي، حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانهم. وذلك أنا قدمنا أن للسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تصل شأن الملكات، والذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ، وأما المعاني فهي في الضمائر. وأيضاً فالمعاني موجودة عند كل واحد وفي طوع كل فكر منها مايشاء ويرضى، فلا تحتاج إلى تكلف صناعة في تأليفها. وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه وهو بمثابة القوالب للمعاني. فكما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف، والماء واحد في نفسه. وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء. كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه، باعتبار تطبيقه على المقاصد. والمعاني واحدة في نفسها وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه، على مقتضى ملكة اللسان، إذا حاول العبارة عن مقصوده، ولم يحسن، بمثابة المقعد، الذي يروم النهوض ولا يستطيعه، لفقدان القدرة عليه. والله يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.

الفصل السابع والخمسون

في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ وجودتها بجودة المحفوظ

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account