The Muqaddimah

الفصل الستون
Read with the dictionary

ثم لما كان الشعر موجوداً بالطبع في أهل كل لسان، لأن الموازين على نسبة واحدة في إعداد المتحركات والسواكن وتقابلها، موجودة في طباع البشر، فلم يهجر الشعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر، الذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه، حسبما اشتهر بين أهل الخليقة. بل كل جيل وأهل كل لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الأمصار، يتعاطون منه ما يطاوعهم في انتحاله ورصف بنائه على مهيع كلامهم. فأما العرب، أهل هذا الجيل، المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر، فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض، على ما كان عليه سلفهم المستعربون، ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأعراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطيردون في الخروج من فن إلى فن في الكلام. وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم. وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر، ثم بعد ذلك ينسبون. فأهل أمصار المغرب من العرب يسمون هذه القصائد بالأصمعيات، نسبة إلى الأصمعي، راوية العرب. في أشعارهم. وأهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر بالبدوي والحوراني والقيسي، وربما يلحنون فيه ألحاناً بسيطة، لا على طريقة الصناعة الموسيقية. ثم يغنون به، ويسمون الغناء به باسم الحوراني، نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشام، وهي من منازل العرب البادية ومساكنهم إلى هذا العهد.

ولهم فن آخر كثير التداول في نظمهم يجيئون به مغصناً على أربعة أجزاء، يخالف آخرها الثلاثة في رويه ويلتزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة، شبيهاً بالمربع والمخمس الذي أحدثه المتأخرون من المولدين. ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة، وفيهم الفحول والمتأخرون عن ذلك، والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد، وخصوصاً علم اللسان، يستنكر هذه الفنون التي لهم إذا سمعها ويمج نظمهم إذا أنشد، ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها. وهذ إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم. فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليماً من الآفات في فطرته ونظره، وإلا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة، إنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه، سواء كان الرفع دالاً على الفاعل والنصب دالاً على المفعول أو بالعكس. وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام، كما هو في لغتهم هذه. فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة: فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر صحت الدلالة، وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحت البلاغة. ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك. وأساليب الشعر وفنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب في أواخر الكلم، فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر. ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب. فمن أشعارهم على لسان الشريف بن هاشم يبكي الجازية بنت سرحان، ويذكر ظعنها مع قومها إلى المغرب:

قال الشريف ابن هاشم علي ... ترى كبدي حرى شكت من زفيرها

يفز للأعلام اين ما رأت خاطري ... يرد غلام البدو يلوي عصيرها

وماذا شكاة الروح مما طرا لها ... غداة وزائع تلف الله خبيرها

يحس إن قطاع عامر ضميرها ... طوى وهند جافي. ذكيرها

وعادت كما خوارة في يد غاسل ... على مثل شوك الطلح عقدوا يسيرها

تجابذوها اثنين والنزع بينهم ... على شوك لعه والبقايا جريرها

وباتت دموع العين ذارفات لشأنها ... شبيه دوار السواني يديرها

تدارك منها النجم حذراً وزادها ... مرون يجي متراكباً من صبيرها

يصب من القيعان من جانب الصفا ... عيون ولجاز البرق في غزيرها

هاذا الغنى حتى تسابيت غزوة ... ناضت من بغداد حتى فقيرها

ونادى المنادي بالرحيل وشددوا ... وعرج عاريها على مستعيرها

وشد لها الأدهم دياب بن غانم ... على أيدين ماضي وليد مقرب ميرها

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account