تنقل الخطو على ما ترسم،
زمراً بين فرادى وثنا
مثل ما يدعو الحجيج الموسم
والحيا قد جلل الروض سنا،
فسنا الأزهار فيه تبسم
وروى النعمان عن ماء السما،
كيف يروي مالك عن أنس؟
فكساه الحسن ثوباً معلما،
يزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمت سر الهوى،
بالدجى لولا شموس القدر
مال نجم الكأس فيها وهوى،
مستقيم السير سعد الأثر
وطر مافيه من عيب سوى
أنه مر كلمح البصر
حين لذ النوم شيئاً أو كما
هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا، أو ربما
أثرت فينا عيون النرجس
أي شيء لامرىء قد خلصا،
فيكون الروض قد كنن فيه
تنهب الأزهار فيه الفرصا،
أمنت من مكره ما تتقيه
فإذا الماء تناجى والحصى،
وخلا كل خليل بأخيه
تبصر الورد غيوراً برما
يكتسي من غيظه مايكتسي
وترى الآس لبيباً فهما
يسرق السمع بأذني فرس
يا أهيل الحي من وادي الغضا!
وبقلبي مسكن أنتم به!
ضاق عن وجدي بكم، رحب الفضا،
لا أبالي شرقه من غربه
فأعيموا عهد أنس قد مضى،
تعتقوا عبدكم من كربه
واتقوا الله وأحيوا مغرما
يتلاشى نفساً في نفس
حبس القلب عليكم كرما،
أفترضون خراب الحبس
وبقلبي منكم مقترب،
بأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغرب
شقوة المضنى به، وهو سعيد
قد تساوى محسن أو مذنب
في هواه، بين وعد ووعيد
ساحر المقلة معسول اللمى،
جال في النفس مجال النفس
سدد السهم وسمى ورمى
ففؤادي نهبة المفترس
إن يكن جار وخاب الأمل،
وفؤاد الصب بالشوق يذوب
فهو للنفس حبيب أول،
ليس في الحب لمحبوب ذنوب
أمره معتمل ممتثل
في ضلوع، قد براها، وقلوب
حكم اللحظ بها فاحتكما،
لم يراقب في ضعاف الأنفس
ننصف المظلوم ممن ظلما،
ويجازي البر منها والمسي
ما لقلبي كلما هبت صبا،
عاده عيد من الشرق جديد؟
جلب الهم له والوصبا
فهو للأشجان في جهد جهيد
كان في اللوح له مكتتبا
قوله: إن عذابي لشديد!
لاعج من أضلعي قد أضرما،
فهي نار في هشيم اليبس
لم تدع في مهجتي إلا ذما
كبقاء الصبح بعد الغلس
سلمي يانفس في حكم القضا
واعمري الوقت برجعي ومتاب
ودعي ذكر زمان قد مضى
بين عتبى قد تقضت وعتاب
واصرفي القول إلى المولى الرضى
ملهم التوفيق في أم الكتاب
الكريم المنتهى والمنتمى
أسد السرح وبمر المجلس
ينزل النصر عليه، مثل ما
ينزل الوحي بروح القدس
وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموثسحات. ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك التي اشتهرت شرقاً وغرباً وأولها:
حبيبي ارفع حجاب النور ... عن العذار
تنظر المسك على كافور ... في جلنار
كللي ياسحب تيجان الربى ... بالحلى واجعلي
سوارها منعطف الجدول
ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعراباً. واستحدثوا فناً سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة.