باب المندب فيبدأ متضايقاً، ثم يمر مستبحراً إلى ناحية الشمال ومغرباً قليلاً إلى أن ينتهي إلى مدينة القلزم في الجزء الخامس من الإقليم الثاني على ألف وأربعمائة ميل من مبدئه، ويسمى بحر القلزم وبحر السويس وبينه وبين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل. وعليه من جهة الشرق سواحل اليمن ثم الحجاز وجدة، ثم مدين وأيلة وفاران عند نهايته، ومن جهة الغرب سواحل الصعيد وعيذاب وسواكن وزيلع، ثم بلاد الحبشة عند مبدئه، وأخره عند القلزم يسامت البحر الرومي عند العريش وبينهما نحو ست مراحل. وما زال الملوك في الإسلام وقبله يرومون خرق ما بينهما ولم يتم ذلك. والبحر الثاني من هذا البحر الحبشي، ويسمى الخليج الأخضر، يخرج ما بين بلاد السند والأحقاف من اليمن ويمر إلى ناحية الشمال مغرباً قليلاً إلى أن ينتهي إلى الأبلة من سواحل البصرة في الجزء السادس من الإقليم الثاني على أربعمائة فرسخ وأربعين فرسخاً من مبدئه ويسمى بحر فارس. وعليه من جهة الشرق سواحل السند ومكران وكرمان وفارس، والأبلة عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل البحرين واليمامة وعمان والشحر، والأحقاف عند مبدئه. وفيما بين بحر فارس والقلزم جزيرة العرب كأنها داخلة من البر في البحر يحيط بها البحر الحبشي من الجنوب وبحر القلزم من الغرب، وبحر فارس من الشرق، وتفضي إلى العراق فيما بين الشام والبصرة على ألف وخمسمائة ميل بينهما. وهنالك الكوفة والقادسية وبغداد وإيوان كسرى والحيرة. ووراء ذلك أمم الأعاجم من الترك والخزر وغيرهم. وفي جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة الغرب منها، وبلاد اليمامة والبحرين وعمان جهة الشرق منها، وبلاد اليمن في جهة الجنوب منها، وسواحله على البحر الحبشي.
قالوا: وفي هذا المعمور بحر أخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشمال بأرض الديلم يسمى بحر جرجان وطبرستان، طوله ألف ميل في عرض ستمائة ميل في غربيه أذربيجان والديلم، وفي شرقيه أرض الترك وخوارزم، وفي جنوبيه طبرستان، وفي شماليه أرض الخزر واللان.
هذه جملة البحار المشهورة التي ذكرها أهل الجغرافيا.
الأنهار
قالوا: وفي هذا الجزء المعمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار وهي النيل والفرات ودجلة ونهر بلخ المسمى جيحون.
فأما النيل فمبدؤه من جبل عظيم وراء خط الاستواء بست عشرة درجة على سمت الجزء الرابع من الإقليم الأول ويسمى جبل القمر، ولا يعلم في الأرض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصب بعضها في بحيرة هناك، وبعضها في أخرى، ثم تخرج أنهار من البحيرتين، فتصب كلها في بحيرة واحدة عند خط الاستواء على عشر مراحل من الجبل. ويخرج من هذه البحيرة نهران. يذهب أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته، ويمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر، فإذا جاوزها تشعب في شعب متقاربة يسمى كل واحد منها خليجاً، وتصب كلها في البحر الرومي عند الإسكندرية، ويسمى نيل مصر، وعليه الصعيد من شرقيه، والواحات من غربيه. ويذهب الأخر منعطفاً إلى المغرب، ثم يمرعلى سمته إلى أن يصب في البحر المحيط وهو نهر السودان وأمهم كلهم على ضفتيه.
وأما الفرات فمبدؤه من بلاد أرمينية في الجزء السادس من الإقليم الخامس، ويمر جنوباً في أرض الروم وملطية إلى منبج ثم يمر بصفين ثم بالرقة، ثم بالكوفة إلى أن ينتهي إلى البطحاء التي بين البصرة وواسط، ومن هناك يصب في البحر الحبشي، وتنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة ويخرج منه أنهار أخرى تصب في دجلة.
وأما دجلة فمبدؤه عين ببلاد خلاط من أرمينية أيضاً، وتمر على سمت الجنوب بالموصل وأذربيجان وبغداد إلى واسط، فتتفرق إلى خلجان كلها تصب في بحيرة البصرة، وتفضي إلى بحر فارس، وهو في الشرق على يمين الفرات. وينجلب إليه أنهار كثيرة عظيمة من كل جانب. وفيما بين الفرات ودجلة من أوله جزيرة الموصل قبالة الشام من عدوتي الفرات، وقبالة أذربيجان من عدوة دجلة.