وأما نهر جيحون فمبدؤه من بلخ في الجزء الثامن من الإقليم الثالث من عيون هناك كثيرة، وتنجلب إليه أنهار عظام، ويذهب من الجنوب إلى الشمال فيمر ببلاد خراسان، ثم يخرج منها إلى بلاد خوارزم في الجزء الثامن من الإقليم الخامس، فيصب في بحيرة الجرجانية التي بأسفل مدينتها، وهي مسيرة شهر في مثله، وإليها ينصب نهر فرغانة والشاش الأتي من بلاد الترك. وعلى غربي نهر جيحون بلاد خراسان وخوارزم، وعلى شرقيه بلاد بخارى وترمذ وسمرقند، ومن هنالك إلى ما وراءه بلاد الترك وفرغانة والخزرجية وأمم الأعاجم.
وقد ذكر ذلك كله بطليموس في كتابه والشريف في كتاب " روجار " ، وصوروا في الجغرافيا جميع ما في المعمور من الجبال والبحار والأودية، واستوفوا من ذلك ما لا حاجة لنا به لطوله، ولأن عنايتنا في الأكثر إنما هي بالمغرب الذي هو وطن البربر وبالأوطان التي للعرب من المشرق واللة الموفق.
تكملة لهذه المقدمة الثانية
في أن الربع الشمالي من الأرض أكثر عمراناً
من الربع الجنوبي وذكر السبب في ذلك ونحن نرى بالمشاهدة والأخبار المتواترة أن الأول والثاني من الأقاليم المعمورة أقل عمراناً مما بعدهما، وما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء والقفار والرماد، والبحر الهندي الذي في الشرق منهما. وأمم هذين الإقليمين وأناسيهما ليست لهم الكثرة البالغة، وأمصاره ومدنه كذلك. والثالث والرابع وما بعدهما بخلاف ذلك. فالقفار فيها قليلة، والرمال كذلك أو معدومة، وأممها وأناسيها تجوز الحد من الكثرة، وأمصارها ومدنها تجاوز الحد عدداً والعمران فيها مندرج ما بين الثالث والسادس، والجنوب خلاء كله. وقد ذكر كثير من الحكماء أن ذلك لإفراط الحروقلة ميل الشمس فيها عن سمت الرؤوس. فلنوضح ذلك ببرهانه، ليتبين منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثالث والرابع من جانب الشمال إلى الخامس والسابع فنقول: