ثم طلب الحاجب أبا بكر العادلي وحضر عندهم أيبك العزيزي وسنقر المشطوبي وغيرهم وكان قد صادق جماعة من خواص المماليك ودخل معهم دخولاً عظيماً بحيث كانوا يجتمعون به في أوقات متعددة وكان قد صادق من الأمراء جماعة كبدر الدين دلدرم وغيره فلما حضر هذا الجمع عنده جد وهزل ومن جملة ما قاله هذا السلطان عظيم وما في هذه الأرض للإسلام أكبر ولا أعظم منه كيف رحل عن المكان بمجرد وصولي والله ما لابست لأمة الحرب ولا تأهبت لأمر وليس في رجلي إلا رذول البحر فكيف تأخر، ثم قال والله العظيم الكريم ما ظننت أنه يأخذ يافا في شهرين فكيف أخذها في يومين. ثم قال لأبي بكر سلم على السلطان وقل له بالله عليك أجب سؤالي في الصلح فهذا الأمر لا بد له من آخر وقد هلكت بلادي وراء البحر وما في دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم ثم انفصلوا عنه وحضر أبو بكر عند السلطان وعرفه ما قال وكان ذلك في أواخر يوم السبت تاسع عشر شهر رجب فلما سمع السلطان ذلك أحضر أرباب المشورة وانفصل الحال على أن الجواب هو: أنك كنت طلبت الصلح أولاً على قاعدة وكان الحديث في يافا وعسقلان والآن قد خربت يافا فيكون لك من صور إلى قيسارية.
فمضى إليه وعرفه ما قال فرده إليه ومعه رسول إفرنجي وقال يقول الملك: إن قاعدة الإفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلداً صار تبعه وغلامه وأنا أطلب منك هذين البلدين يافا وعسقلان وتكون عساكرهما في خدمتك دائماً وإذا احتجت إلي وصلت إليك في أسرع وقت وخدمتك كما تعلم خدمتي. فكان جواب السلطان: حيث دخلت هذا المدخل فأنا أجيبك بأن نجعل هذين البلدين قسمين أحدهما لك وهو يافا وما وراءها والثاني لي وهو عسقلان وما وراءها.
ثم سار الرسولان ورحل السلطان إلى الثقل وكان المخيم ببازور ورتب النقابين لذلك واليزك عندهم وسار حتى أتى الرملة فخيم بها يوم الأحد العشرين من رجب ووصل إليه الرسول مع الحاجب أبي بكر فأمر بإكرامه والإحسان إليه وكانت رسالته الشكر من الملك على إعطائه يافا وتجديد السؤال في عسقلان ويقول إنه إن وقع الصلح في هذه الأيام سار إلى بلاده ولا يحتاج أن يشتي هاهنا فأجابه السلطان في الحال بقوله: أما النزول عن عسقلان فلا سبيل إليه وأما تشتيته هاهنا فلا بد منه لأنه قد استولى على هذه البلاد ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة كما تؤخذ أيضاً إذا أقام إن شاء الله تعالى. وإذا سهل عليه أن يشتي هاهنا ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته أفلا يسهل علي أن أشتي وأصيف وأنا في وسط بلادي وعندي أولادي وأهلي ويأتي إلى ما أريد وأنا رجل شيخ قد كرهت لذات الدنيا وشبعت منها ورفضتها عني والعسكر الذي يكون عندي في الشتاء غير العساكر الذي يكون عندي في الصيف وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات ولا أزال كذلك حتى يعطي الله النصر لمن يشاء.
فلما سمع الرسول ذلك طلب أن يجتمع بالملك العادل فأذن له في ذلك فسار إلى خيمته وكان قد تأخر بسبب مرض اعتراه إلى موضع يقال له صمويل فسار الرسول إليه مع جماعة ثم بلغ السلطان أن عسكر العدو قد رحل من عكا قاصداً يافا للإنجاد فجمع أرباب الرأي وعقد مشورة في قصدهم فاتفق الرأي على أنهم يقصدونهم ويرحل بالثقل إلى الجبل ويقصدونهم جريدة فإن لاحت فرصة انتهزوها وإلا رجعوا عنهم وهذا أولى من أن نصبر حتى تجتمع عساكر العدو ونرحل إلى الجبل في صورة منهزمين وأما إذا وصلنا الآن ففي صورة طالبين فأمر السلطان الثقل أن يسير إلى الجبل عشية الاثنين الحادي والعشرين من رجب وسار هو جريدة في صبيحة يوم الثلاثاء حتى نزل على العوجاء ووصل إليه من أخبره أن عسكر العدو قد وصل قيسارية ودخل عليها ولم يبق فيه طمع وبلغه أن الأنكتار قد نزل خارج يافا في نفر يسير بخيم قليلة فوقع له أن ينتهز فيه الفرصة ويكبس خيمه وينال منهم غرضاً وعزم على ذلك وسار من أول الليل والأدلة من العرب تتقدمه وهو يقطع الطريق إلى أن أتى في الصباح إلى خيام العدو فوجدها تقريباً عشر خيم فداخله الطمع وحملوا حملة الرجل الواحد فثبتوا في أمكنتهم وكشروا عن أنياب الحرب فوجموا من ثباتهم وسار العسكر حلقة واحدة.